د. علي بن خصيف البلوشي **
يشهد عالم الألعاب الإلكترونية تطورًا سريعًا بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يدخل في تفاصيل كثيرة مثل تحريك الشخصيات، وتعديل مستوى الصعوبة، وتحليل أسلوب اللعب، وتنظيم المنافسات، وهذا التطور جعل الألعاب أكثر تفاعلًا، لكنه أثار أسئلة قانونية مهمة تتعلق بحماية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية عن الأضرار، وحماية الأطفال، فمثلًا، إذا كانت لعبة تجمع معلومات عن سرعة اللاعب أو صوته أو موقعه، فهل يجوز ذلك دون علمه؟
وتكمن أهمية التنظيم القانوني في تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المستخدمين، فالألعاب قد تجمع بيانات بسيطة مثل الاسم والبريد الإلكتروني، وقد تجمع بيانات أدق مثل الموقع الجغرافي أو الصوت أو طريقة اللعب، لذلك يجب أن تكون هناك قواعد واضحة تحدد ما الذي يُجمع، وكيف يُستخدم، ومن يطلع عليه، ومدة الاحتفاظ به، فمثلًا، إذا استخدمت لعبة خاصية التعرف على الوجه لتحسين التجربة، فلا بد من إبلاغ المستخدم والحصول على موافقته الصريحة.
وعلى المستوى الدولي، يُعد النظام الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR) من أهم النماذج في هذا المجال، إذ يشترط أن يكون جمع البيانات مشروعًا وواضحًا، فمثلًا، إذا جمعت لعبة بيانات الموقع والدردشة الصوتية، فعليها الاكتفاء بالضروري فقط، وتشفير البيانات، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، وتوفير إعدادات واضحة للخصوصية، كما أصدر الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي (EU.AL.Act) لعام 2024 لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي بحسب مستويات المخاطر، وقد تثير بعض تطبيقاته في الألعاب التزامات خاصة، مثل التعرف على الوجه أو توجيه الإعلانات داخل اللعبة.
وفي ذات السياق، أصدرت اليونسكو توصية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021، وهي مجموعة من القواعد والمبادئ التي توجه تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل عادل وآمن، وتظهر أهمية ذلك في الألعاب الإلكترونية لأن بعض الخوارزميات قد تؤثر في سلوك اللاعب أو تدفعه للشراء دون أن يشعر، فمثلًا، إذا كانت اللعبة تعرض على الطفل شراءات متكررة بناءً على سلوكه، فقد يثير ذلك مشكلة أخلاقية وقانونية.
وفي إطار التطور التشريعي في سلطنة عُمان، فإن الإطار القانوني يبدأ من النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021)، الذي نص في المادة (36) على حماية الحياة الخاصة والمراسلات الإلكترونية، كما صدر قانون حماية البيانات الشخصية بالمرسوم السلطاني رقم (6/2022)، والذي يُلزم شركات الألعاب (المتحِّكم والمُعالِج) بالحصول على موافقة واضحة قبل جمع البيانات، وحمايتها من التسريب، فمثلًا، إذا استخدمت اللعبة الصوت لتنفيذ الأوامر، فلا يجوز بيع التسجيلات أو استخدامها في الإعلانات دون موافقة.
وعزز قانون المعاملات الإلكترونية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (39/2025) الإطار القانوني المنظم للبيئة الرقمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية؛ بما يوفر أساسًا قانونيًا للتعاملات التي تتم داخل منصات الألعاب الإلكترونية وخدماتها الرقمية، كما أفرد القانون تنظيمًا لخدمات الثقة في المادة (24)، والتي تشمل التحقق من الهوية الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني، للحد من انتحال الهوية والاحتيال في الألعاب، كما رسخ قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (61/2026) الحماية القانونية للألعاب الإلكترونية بوصفها من المصنفات الرقمية، وذلك من خلال تجريم الأفعال التي تستهدف الأنظمة المعلوماتية أو البيانات الإلكترونية، إضافة الى حماية حقوق الملكية الفكرية، من خلال تجريم صور الاعتداء الالكتروني على حقوق مطوري البرامج ومصممي الألعاب، بما يعزز بيئة الابتكار في صناعة الألعاب.
ومن هذا المنطلق، حرصت سلطنة عُمان ممثلة في وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، على حوكمة استخدام وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث اصدرت الوزارة التعميم رقم (11/2025) بشأن إعداد سياسة عامة للاستخدام الآمن والأخلاقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وشملت الضوابط والاشتراطات الفنية والمبادئ الأخلاقية، بهدف ضمان الاستخدام المسؤول والآمن لهذه الأنظمة، بما يعزز الثقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويسهم في دعم الابتكار.
ومن ناحية المسؤولية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعفي الشركة المطورة إذا تسبب النظام في ضرر للمستخدمين، سواء في الخصوصية أو أمن البيانات أو التمييز بين اللاعبين، وتطبق هنا القواعد العامة في قانون المعاملات المدنية بالمرسوم السلطاني رقم (29/2013)، التي تقضي بالتعويض عند ثبوت الخطأ والضرر، فمثلًا، إذا أدى خلل في الخوارزمية إلى تسريب بيانات الدفع، فقد تتحمل الشركة المسؤولية.
وتبرز كذلك أهمية حماية الأطفال، خاصة مع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل سلوكهم وتوجيه الإعلانات لهم، ويُعد قانون الطفل بالمرسوم السلطاني رقم (22/2014) إطارًا مهمًا لحمايتهم من المحتوى أو الاستغلال غير المناسب، فمثلًا، إذا كانت لعبة موجهة للأطفال تدفعهم إلى شراء متكرر داخل اللعبة، فقد تحتاج إلى رقابة قانونية أشد.
وفي الختام.. يُمثِّل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتطوير الألعاب الإلكترونية، ويبقى الرهان الحقيقي اليوم ليس على سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، بل على سرعة تطور القانون لمواكبته، فكل ابتكار يفتح آفاقًا جديدة للنمو، يخلق في المقابل مسؤوليات قانونية جديدة تستوجب الحماية والتنظيم، ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة تشريعية متخصصة في تنظيم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الألعاب الإلكترونية لم يعد خيارًا تشريعيًا، بل ضرورة تفرضها متطلبات العدالة الرقمية وحماية الحقوق.
** دكتوراة في القانون
