مسرحية نيويورك.. لماذا غادر الإسرائيلي قاعة أردوغان؟ ومن هو الفاشل الحقيقي؟ كوبا أم من جاء من أوروبا إلى فلسطين؟

 

بقلم: د. جمالات عبد الرحيم

الفصل الأول: ماذا حدث في نيويورك؟ الحجة والبرهان

في 22 سبتمبر 2026، وفي مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقال بالحرف:

«نواجه عقلية إبادة جماعية لا تشبع من القتل أبداً. غزة أصبحت أكبر معسكر اعتقال لا إنساني ومخزٍ في عصرنا. ورغم وقف إطلاق النار المزعوم، قُتل أكثر من 1300 مدني في غزة».

ماذا فعل الوفد الإسرائيلي؟

غادر القاعة وقطع السماعة.

ولم يغادر وحده. ففي 26 سبتمبر 2025، حين تحدث نتنياهو، غادرت عشرات الوفود القاعة وتركته يتحدث أمام الكراسي الفارغة.

لماذا غادر؟

هذه حيلة دبلوماسية قديمة تُسمى «الانسحاب الاحتجاجي». حين لا تستطيع الرد بالحجة، تنسحب لتقول: أنا غاضب، وكلامك لا يستحق الرد.

هو لم يغادر لأنه خائف، بل لأنه لا يريد أن يسمع كلمة «إبادة جماعية» تُسجل عليه في محضر الأمم المتحدة؛ لأنها كلمة قد تترتب عليها تبعات في إطار القانون الدولي.

غضبه ليس براءة، بل هروب من التسجيل.

الفصل الثاني: هل لأردوغان مصنع سلاح سري في أمريكا لإسرائيل؟ البرهان

السؤال الخطير: لماذا لم يعترف أردوغان بأن هناك مصنعاً تركياً يصنع السلاح لإسرائيل في أمريكا تحت اسم يخفي الأنظار؟

الحقيقة، وفق ما يرد في هذه الرواية:

يقول البعض إن تركيا لا تملك مصنعاً سرياً في أمريكا لإسرائيل. وتركيا تملك شركات سلاح معروفة مثل Baykar وRoketsan وAselsan، ولها فروع في أمريكا وأوروبا بأسمائها الصريحة، كما تبيع طائرات «بيرقدار» لأوكرانيا ودول في أفريقيا.

لكن تركيا كانت من أكبر موردي الصلب والوقود والمواد الخام إلى إسرائيل حتى عام 2023. وفي 2024، وبعد حرب غزة، أعلنت تركيا رسمياً وقف التجارة مع إسرائيل تماماً. لكن تقارير تركية معارضة قالت إن التجارة استمرت عبر شركات وسيطة في اليونان وبلغاريا وأمريكا، تحت اسم طرف ثالث.

إذن، وفق هذه الرواية، يخطب أردوغان في نيويورك ضد إسرائيل، وفي الوقت نفسه، تستمر شركات تركية خاصة في بيع مواد تدخل في صناعة السلاح الإسرائيلي عبر أمريكا. وهو لا يقول: «أنا شاركت إسرائيل في إعلان الحرب على غزة»، بل يقول: «أنا ضد الحرب». والمعارضة التركية هي التي تتهمه بالازدواجية، وليس إسرائيل.

فلماذا لم يقر الإسرائيلي بالخيانة؟

لأن الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، مستفيد من هذا المصنع السري المزعوم، ولذلك، إذا اعترف به، سينقطع. فسكت وغادر القاعة ليمثل دور الغاضب، بينما تستمر التجارة من تحت الطاولة.

هذه هي الخيانة التي تُسمى «ازدواجية»: خطاب في نيويورك للعرب، وتجارة في الخفاء.

الفصل الثالث: لماذا قال ترامب لكوبا: أنتم فاشلون؟

في نفس مؤتمر نيويورك، قال ترامب لمسؤول كوبا: «أنتم دولة فاشلة».

هل كوبا فاشلة؟

كوبا محاصرة من أمريكا منذ عام 1962، أي منذ 64 عاماً. أمريكا تمنع عنها الدواء والبنوك والسفن. ثم تأتي وتقول لها: أنتِ فاشلة!

هذا مثل من يخنق رجلاً 64 عاماً ثم يقول له: لماذا لا تتنفس جيداً؟ أنت فاشل في التنفس.

لماذا يريدها فاشلة مثل فنزويلا؟

كوبا وفنزويلا لديهما احتياطيات كبيرة من النفط والنيكل في المنطقة، وفق هذا الطرح. ويريد ترامب، بحسب هذه الرواية، تكرار سيناريو 1901: يقول إن البلد فاشل، ثم يحتله ليصلح الفشل، ثم يأخذ النفط.

وقالها صراحة عن فنزويلا في 2025: «سنأخذ نفطهم لأنهم فاشلون».

فكلمة «فاشل» ليست وصفاً، بل ورقة احتلال. أولاً تقول: فاشل، ثانياً تقول: سأصلحه، وثالثاً تحتله.

الفصل الرابع: لماذا لم يقل ترامب لليهود الصهاينة: يا فاشلون؟

وهنا السؤال الأخطر والأذكى، وهو بيت القصيد:

لماذا لم يقل ترامب لأي صهيوني: أنت جئت من أوروبا هارباً من محارق النازيين، ونحن وأوروبا من جعلنا لكم موطئ قدم في أرض عربية في فلسطين، وقد سرقتم وقتلتم ونهبتم ثروات الشرق الأوسط، ولولا أمريكا ما كان لكم أثر؟

الجواب بالحجة والبرهان التاريخي:

1. البرهان التاريخي

بدأت الحركة الصهيونية السياسية عام 1897 في بازل بسويسرا. وقال أنصارها إن اليهود مضطهدون في أوروبا، خصوصاً مع تصاعد الاضطهاد والمجازر، ولذلك طالبوا بوطن لهم.

وفي عام 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور بشأن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم أنها لم تكن تملك فلسطين.

وفي عام 1948، اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها.

ولولا الدعم العسكري والمالي الأمريكي والأوروبي منذ عام 1948 وحتى اليوم، وفق هذا الطرح، لما بقيت إسرائيل يوماً واحداً.

2. لماذا لا يقول لهم: فاشلون؟

لأنهم، وفق هذا الطرح، ليسوا ضده انتخابياً. فقاعدة ترامب الإنجيلية تؤمن بأن إسرائيل يجب أن تبقى حتى يعود المسيح.

كما أن شركات السلاح الأمريكية تبيع لإسرائيل أسلحة بمليارات الدولارات سنوياً. فلا يستطيع أن يقول لهم: فاشلون، لأنهم زبون يدفع.

هو يقول «فاشل» فقط لمن لا يملك لوبي في واشنطن: كوبا وفنزويلا والصومال وغزة. أما من يملك لوبي AIPAC في واشنطن، فيقول عنه: حليف ناجح.

3. الحجة الأخلاقية

أنت قلت: «سرقتم وقتلتم ونهبتم ثروات الشرق الأوسط».

والبرهان، وفق هذا الطرح، هو قرار الأمم المتحدة رقم 194 بشأن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل من أراضٍ احتُلت عام 1967.

فمن الفاشل؟ من لا ينفذ قرارات العالم منذ عقود، أم من يحاصره العالم منذ عقود، مثل كوبا؟

الخاتمة الفرعونية

ويظهر ترامب، في هذا الطرح، بشكل مغرور وكأنه فرعون مصر الذي قال:

«أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ».

فرعون قال: أنا رب النيل، وأنا رب الأرض.

ووفق هذا التشبيه، يقول ترامب: أنا رب هرمز، وأنا رب المحيط الهندي، وأنا من يقرر من الفاشل ومن الناجح.

فرعون قال عن بني إسرائيل:

«إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ».

ووفق هذا الطرح، قال ترامب عن أهل غزة وكوبا وفنزويلا: شرذمة قليلة من بلدان فاشلة.

والنهاية واحدة: فرعون غرق في نفس الماء الذي قال إنه يملكه.

«وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ».

«وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا».

«وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z