325 ريالا.. هل لا تزال كافية؟!

 

 

عبيد بن حمدان المعمري

يخرج الشاب العماني كل صباح محاطاً بطموحات كبيرة، يحمل شهادته العلمية ورغبته الصادقة في الاستقلال وبناء أسرة تحفظ كرامته. يقبل بالتحدي وينخرط في القطاع الخاص، لكنه يصطدم بواقع حد أدنى للأجور جُمّد عند 325 ريالاً عمانياً منذ سنوات.

وبين تطلعات الشباب ومتطلبات رؤية "عمان 2040" ، يبرز سؤال ملح: كيف نبني المستقبل ونحن نربط طموح أبنائنا برقم ثابت أمام موجات متتالية من التضخم وغلاء المعيشة؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في القيمة الرقمية المجردة للأجر، بل في انكماش القوة الشرائية التي يمثلها اليوم؛ فمع تطبيق ضريبة القيمة المضافة وإعادة هيكلة الدعم الحكومي للخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والوقود، تضاعفت التكاليف المعيشية.

هذا الانكماش لا يرهق الفرد فحسب، بل يتداعى أثره على المنظومة الاقتصادية برمتها؛ إذ إن ضعف القدرة المالية للمواطن يؤدي حتماً إلى انكماش الاستهلاك المحلي وتراجع حركة الأسواق والشركات، فضلاً عن آثاره الاجتماعية الممتدة كظاهرة تأجيل الزواج واستنزاف الاستقرار الأسري.

وتؤكد أحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن نحو نصف القوى العاملة الوطنية المسجلة في القطاع الخاص (48% إلى 49%) تقع أجورهم بين 325 وأقل من 500ريال ، مما يضع هذه الشريحة الواسعة أمام تحديات يومية لتغطية الالتزامات الأساسية من سكن وفواتير ومستلزمات معيشية طارئة.

وتتضاعف الأزمة عند بوابة القطاع المصرفي والخدمي؛ إذ تصطدم هذه الشريحة بشروط ائتمانية حادة تضع حداً أدنى للراتب لشراء منزل أو طلب تمويل شخصي.

وفي المقابل، تبرز الحاجة الماسة لتقديم حزمة مساندة تخفف الأعباء اليومية؛ سواء من خلال إعفاءات وتخفيضات على فواتير الخدمات العامة والاتصالات، أو عبر توفير التأمين الصحي الشامل للموظف وأسرته وتسهيل العلاج في المستشفيات الخاصة.

إن إقرار أطر تمويلية مرنة بالتعاون مع البنك المركزي العماني، إلى جانب هذا الدعم الخدمي والصحي، يُعد مطلباً محورياً لمواءمة الواقع المعيشي مع ظروف العاملين بالحد الأدنى للأجور.

وإن جوهر المشكلة يكمن في "جمود الرقم" أمام ديناميكية السوق، وما يغفل عنه البعض هو أن "تكلفة الإبقاء على هذا الرقم" باتت تتجاوز بمسافات تكلفة تعديله؛ فضعف الأجور يفرز تكاليف غير مباشرة تتكبدها الدولة لاحقاً في ملفات الحماية الاجتماعية والدعم والتأمين الصحي، فضلاً عن تعثر مسار التعمين في الوظائف النوعية. ولتحقيق توازن عادل، تبرز أهمية اعتماد مراجعة دورية للحد الأدنى تتناسب مع مؤشر أسعار المستهلك، وتوفير التسهيلات الخدمية والتمويلية الميسرة، إلى جانب تحفيز الشركات بدعمها بمختلف تصنيفاتها لرفع أجور كوادرها الوطنية.

إن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان، وإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور والمنظومة الداعمة له ليست ترفاً أو حلاً محصوراً، بل ضرورة استراتيجية لحماية هذه الفئه من المجتمع، وضمان استقرار الأسرة العمانية، وإنجاح منظومة التعمين . فهل ننتظر سنوات أخرى حتى يصبح هذا الرقم عاجزاً عن تغطية مصاريف أسبوع واحد؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z