تفريخ الظلم في بيئات العمل والمؤسسات

 

 

 

مسلم بن سالم بن رزيق الرحبي

يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27–29].

ترسم هذه الآيات مشهدًا مهيبًا للندم يوم القيامة؛ فالظالم يعضّ على يديه حسرةً بعد أن جاءه الذكر وتبيّن له الحق، ثم أعرض عنه متأثرًا بخليلٍ صدّه وزيّن له الباطل. ولا تجعل الآيات الخليل عذرًا للظالم؛ فالإنسان مسؤول عن اختياره واتباعه، لكنها تكشف خطورة التأثير المُضلّ، ولا سيّما ممن يملك نفوذًا يصنع به أتباعًا يسيرون على نهجه. وإذا كان السياق الأصلي للآيات في الإضلال عن الذكر والإيمان، فإنه يمكن الاستئناس بما تقرره من خطورة إضلال المتبوع لتابعه في كل موضع يُستثمر فيه النفوذ لتزيين الباطل، ومن ذلك ما قد يقع في بعض بيئات العمل حين يُساء استعمال السلطة.

ومن هنا يظهر نموذج خطير يمكن تسميته «تفريخ الظلم وتوريثه داخل المؤسسات»؛ أي إعادة إنتاج الظلم باصطناع أشخاص يتعلّمون ممارسته ويبرّرونه ويدافعون عنه، ثم ينقلون منهجه إلى من يأتي بعدهم. فالظلم المؤسسي لا يبدأ دائمًا بقرار كبير ظاهر، بل قد يبدأ حين يختار مسؤولٌ أشخاصًا لا لكفاءتهم وأمانتهم، وإنما لاستعدادهم لمجاراته، وتبرير أخطائه، وحجب الحقائق عنه أو تجميلها له، وتنفيذ ما يريد ولو خالف العدل والنظام. ثم يُقدَّم هؤلاء تحت عناوين برّاقة كالتمكين والتطوير والولاء والثقة؛ وهي مفاهيم مشروعة مطلوبة في أصلها، لكن الخلل أن تُفرَغ من مضمونها المؤسسي، فيصير التمكين حمايةً للأشخاص لا تمكينًا للكفاءات، والولاء ولاءً للمسؤول لا للمؤسسة، والثقة صمتًا عن الخطأ لا أمانةً في النصيحة.

وبمرور الوقت، يتعلّم هؤلاء أن طريق الترقّي ليس الصدق والإتقان، بل التملّق والمجاملة المصطنعة وتهميش أهل الكفاءة. فيتحول الظلم من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسسية؛ يُكافأ فيها المطيع وإن أخطأ، ويُهمَّش الصادق وإن أحسن، وتُخفى الحقائق، وتُحرَّف التقارير، وتُستعمل الصلاحيات لحماية الأشخاص بدل حماية المؤسسة، ويصبح الاعتراض المهني المسؤول مخاطرة. وهكذا لا يبقى الظلم فعلًا معزولًا بشخصٍ واحد، بل يتحول إلى منهجٍ تتناقله المستويات الإدارية، حتى تكاد الممارسات الباطلة تصير أعرافًا معتادة، ويبدو التمسك بالحق غريبًا بين العاملين.

وقد جاء التحذير القرآني شديدًا من الركون إلى أهل الظلم: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]؛ والركون لا يقتصر على مباشرة الظلم، بل يدخل فيه الميل إليه والرضا به وإعانة أهله عليه. غير أنه لا يجوز توسيع مفهومه حتى يشمل كل تعاملٍ وظيفي مشروع، أو تنفيذ أمرٍ نظامي، أو نصحٍ لمسؤول، أو بقاءٍ في بيئة عمل توجد فيها تجاوزات.

وقد حكى القرآن ندم من أطاعوا سادتهم وكبراءهم في الضلال: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]. وفيها عبرة عامة: أن اتباع أصحاب النفوذ لا يُسقط المسؤولية عن التابع، ولا يحيل الأمر الباطل حقًّا لمجرد صدوره من رئيس. وقد قرّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل بقوله: «إنما الطاعة في المعروف»؛ فالطاعة الوظيفية مطلوبة فيما كان مشروعًا محقّقًا لمصلحة العمل، لا طاعةً عمياء تبرّر الكذب أو التزوير أو الاعتداء على الحقوق. الرئيس لا يحمل عن مرؤوسه تبعة ما فعله، والمنصب لا يبرّر التعدّي، والمصلحة المؤقتة لا تجعل الباطل حقًّا. على أن المسؤولية ليست على درجةٍ واحدة؛ إذ تتفاوت بحسب وضوح المخالفة، وعلم الموظف بها، ومدى مشاركته، وقدرته على الامتناع، دون أن يبيح ذلك كذبًا متعمَّدًا أو تزويرًا أو اعتداءً بيّنًا على حقوق الناس.

وفي المقابل، فإن من أسّس داخل المؤسسة مسلكًا سيئًا أو دعا إليه أو زيّنه للآخرين لا يقف إثمه عند حدود فعله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم. فمن جعل التملق طريقًا للترقّي، أو تحريف الحقائق وسيلةً لحماية المسؤول، أو إقصاء الكفاءات سياسةً لإسكات المخالفين، تحمّل إثم فعله ومثل إثم من اقتدى به، من غير أن ينقص ذلك من مسؤولية الأتباع عن اختياراتهم.

وما أبلغ ختام الآيات: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان: 29)؛ فمن يزيّن لموظفيه الظلم ويغريهم بالمناصب والمنافع قد يتخلى عنهم عند التحقيق والمساءلة، فيجد كل واحدٍ منهم نفسه منفردًا أمام مسؤوليته. وحينها لا يبقى من وعود التمكين إلا الحسرة، ولا من المجاملات إلا الندم، ولا من الحماية المؤقتة إلا سجلٌّ من القرارات يتحمل كلُّ إنسانٍ تبعته.

ولذلك يجب على المؤمن في موقع عمله أن يزن الأوامر والقرارات بميزان الحق والعدل، وأن يرفض الكذب والتزوير والإضرار المتعمَّد بالناس، وأن ينصح بالحكمة، ويوثّق الحقائق بأمانة، ويسلك القنوات المؤسسية المشروعة للتصحيح، وألّا يسمح للطمع في منصبٍ أو منفعةٍ بأن يحوّله إلى أداةٍ للظلم؛ فالنصيحة الصادقة ليست تبريرًا لخطأ المسؤول، بل منعُه من الظلم قبل أن يستفحل؛ والموظف الأمين لا يحمي رئيسه بإخفاء الحقيقة عنه، وإنما يحميه ويحمي المؤسسة بإظهارها له في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب، ومن خلال القناة المناسبة.

وليس كل خلافٍ إداري ظلمًا، ولا كل توجيهٍ يخالف رأي الموظف انحرافًا، ولا كل قرارٍ غير موفَّق دليلًا على فساد القصد؛ فقد يقع الخطأ لنقص المعلومات، أو اختلاف الاجتهاد، أو ضعف الخبرة، أو تعقيد الظروف. وإنما يظهر الظلم المؤسسي حين يتكرر التعدي على الحقوق، أو يُستعمل النفوذ بغير حق، أو تُحرَّف الوقائع عمدًا، أو يُميَّز بين العاملين بلا مسوّغ مشروع، أو تُعطَّل آليات التظلم والمساءلة حتى تُحمى الممارسات الخاطئة وتصير جزءًا من طريقة عمل المؤسسة.

إن أخطر الظالمين ليس من يمارس الظلم وحده، بل من يحوّله إلى مدرسة؛ فيَجعل النفاق وسيلةً للترقّي، والصمت عن التجاوزات شرطًا للتمكين، ويُقصي الأصوات الصادقة، ثم يختار من يحمل منهجه من بعده. فليحذر كل إنسانٍ أن يعرف الحق ثم يبيعه لمصلحةٍ عابرة، أو أن يبرّر ظلمًا طمعًا في منصب، أو أن يصبح وريثًا للظلم بعد أن جاءه الذكر؛ حتى لا يأتي يومٌ يقول فيه: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ (الفرقان: 28).

أسأل الله أن يجعلنا من أهل الحق والعدل، وأن يرزقنا الثبات والأمانة، وأن يطهّر قلوبنا وأعمالنا من الظلم والركون إليه، وألّا يجعلنا ظالمين ولا أعوانًا للظالمين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z