أطفالنا والعالم الرقمي

 

 

 

عائشة الفارسية

ummandar279@gmail.com

 

 

أطفال اليوم ليسوا أطفال الأمس؛ فالطفل كان يولد في عالم خالٍ من التكنولوجيا، يتعايش مع العالم الطبيعي، محصورًا بين البيت والحارة، وتلفزيون به كم قناة، وكتاب بين يديه، ثم يدخل العالم الرقمي بالتدريج، وليس بهذا الكم والسرعة، أما طفل اليوم فقد وُلد بوجود العالم الرقمي، وُلد وهو يرى الشاشة أمامه، وبها الكرة الأرضية كاملة، يعاملها وكأنها مرضعته التي يشرب منها، ومعه تطبيق صار رفيق ألعابه، واليوتيوب صار هو معلمه الأول قبل المدرسة والمعلم.

والسؤال هنا ليس ''كيف نبعدهم عن العالم الرقمي؟'' السؤال الحقيقي ''كيف نجعلهم أسيادًا فيه بدلًا من أن يكونوا عبيدًا له؟'' ويجب علينا ألا نكثر من كلمة "ممنوع"، لأن المنع فشل ذريع، يجعل الطفل يعاند، لأن كل ممنوع مرغوب، فلو أننا كسرنا الجوال، سيأخذ جوال أخيه، ولو حظرنا اليوتيوب، سيفتحه عند صاحبه، ولو سحبنا الواي فاي، سيُفعِّل باقة بدون علمنا، الجيل هذا ما يعرف كلمة "ممنوع"، يعرف كلمة ''كيف أتحايل وآخذ ما أريد إذا مُنعت منه".

كل دقيقة نمنع فيها طفلنا عن التقنية بدون بديل مقنع، هي دقيقة تجعله يتعلمها من الشارع... بدون قيمنا وأخلاقنا، وبدون وعي منه، ولا دراية، ولا علم منا، والشارع الرقمي لا يرحم، العالم الرقمي ليس هو من نحاربه وليس هو العدو، بل العدو هو الجهل الرقمي، الذي يعتبر اليوم أخطر من الأمية زمان، الطفل الذي لا يعرف يبرمج، غدًا سيكون هو المنتج الذي تبرمجه البرامج وتتحكم فيه.

أطلق مخيلتك معي وتذكر كيف كنا نحن، كنا نخاف من شارع الحارة، ونوصي أطفالنا ألا يقفوا مع الغرباء، ولا يتكلموا معهم، واليوم ولدنا يدخل غرفته ويكلم مئة غريب ونحن نقول: "قاعد بغرفته بأمان وليس معه أحد"، الأمان الحقيقي ليس في جدران البيت، الأمان في الوعي الذي نزرعه في نفوس أطفالنا، ونشرح له عن كل ما يواجهه في هذا العالم الجديد، ونبين له سلبياته وإيجابياته.

المعركة التي نخوضها ليست الساعات التي يقضيها الطفل مع الشاشات، المعركة هي الانتباه، ومراقبة ما يراه ويبحث عنه الطفل، فأحيانًا نعطي أمرًا بأنه له استخدام ساعتين باليوم أو ثلاث ساعات، وقد نكون مخطئين بهذه الحسبة، وقد ترهقنا هذه الحسبة وترهق طفلنا.

الطفل يستطيع أن يجلس عشر ساعات ليُصمِّم لعبة على إحدى المنصات العالمية مثل روبلوكس، ويتحول إلى عبقري برمجة ومنطق، كما بإمكانه المكوث ثلاثين دقيقة في تصفح الإنترنت ويطالع مقاطع تافهة، يخرج منها خاوي الرأس، ومشتت الذهن، وغير مستفيد بشيء، وعصبي.

إذن المعركة الحقيقية مثل ما ذكرنا سابقًا، ليست كم ساعة ولا بالوقت، المعركة على ماذا يركز انتباهه، وماذا يستفيد؟ وهل الشاشة تستهلكه وتشتته أم العكس؟ ويا ترى هو متلقٍ سلبي أم صانع محتوى، مبرمج، مصمم، باحث، ومستمتع بالقراءة؟

قبل أن نعطيه الجهاز، نسأله سؤالًا واحدًا: ماذا ستعمل بهذا الجهاز؟ وما هي أهدافك في استخدامه؟

ولو أجاب بـ"لا أدري"، أو بقلب في الجهاز وبعدها يقرر، لا تعطه الجهاز، لأنه لم يذكر هدفه من الاستخدام، ولو قال مثلًا "سوف أُكمل مشروع المدرسة، أو أتعلم تحرير الصور والمقاطع المرئية (المونتاج)، أو ألعب مع فريقي في دوري إلكتروني، هنا أَعطِهِ الجهاز وراقبه من بعيد، وشاهد ماذا يفعل، الدور اليوم ليس هو الدور السابق، زمان كان دور الأب سهل، يمنع ويحظر، وبعدها يعاقب، والطفل يقول "سمعًا وطاعة"، أما اليوم فالدور اختلف، وما صار ينفع أمنع وأحظر، لأنه سوف يقول لك "أقنعني لماذا الحظر والمنع؟" ولكن علينا أن ندرّب، ونوجّه، ونشارك، ونبين لهم الأسباب.

ولا نكون كالشرطي ننادي ونصيح: لا تدخل هذا الموقع، ولك وقت محدد في الاستخدام، ولكن يجب أن نكون كالمدرب ونقول: تعال أعلمك كيف تكشف الموقع الكاذب بنفسك بخطوات بسيطة.

الشرطي أو الأب المتسرع، يحظر الألعاب كلها، وعلى باله حل المشكلة، وهو لا يعلم أن بطريقته هذه قفل بابًا كان ممكن يكسب منه طفله ويحرره، وأما الأب المدرب فيجلس مع ولده ويسأله: ما هي الميزة التي لو أضفناها للعبة ستجعلها أقوى وأسرع؟ وكيف نبرمجها؟ خلينا نجرب ونستفيد مع بعض، بكذا نحن نجعله مستفيدًا، وباحثًا، ومستكشفًا.

أطفالنا يحتاجون لمناعة رقمية، بعيدًا عن عزلهم عن الرقمية، وهذه المناعة لا تأتي بالحبس والمنع، تأتي بالتعرض الآمن، والتوجيه، والإرشاد، مع التوضيح والشرح، لنجعله يُخطئ أمامنا على موقع مزيف، ونشرح ونصحح له، ونتشارك معه في إيجاد الحلول، بدلًا من أن يرتكب غلطة العمر وهو لحاله، ولا يستطيع أن يجد الحل، ويقع في المحظور، علينا أن نعرف ونتعلم القواعد التي تحمي أطفالنا بدون أوامر وصراخ، الذي يجعلهم ينفرون منا ويبتعدون، ويبدؤون في إخفاء الأمور عنا، ويكون لهم عالمهم السري الذي يحاولون أن يخبئوا فيه ما يحدث معهم.

وأول قاعدة يجب أن نبدأ بها هي المشاركة، وزرع الثقة بيننا وبين أطفالنا، ونجعل لهم وقتًا خاصًا بهم، نجلس معهم، نطلب منهم أن يعلمونا اللعبة التي يلعبونها ويشرحوها لنا، ونلعبها معهم من باب الاستكشاف، نضحك معهم، ونسألهم من هو صانع المحتوى المفضل لديهم، ولماذا يتابعه، وما هي الاستفادة من متابعته، نتابع معهم صاحب المحتوى الذي يفضلونه، لتفهم شخصيتهم واهتماماتهم، بهذه المشاركة نزرع بيننا وبين أطفالنا ثقة وعدم خوف، تساعد في تقربهم منا، وتجعلهم يطلبون مساعدتنا لو أنهم وقعوا في أي مشكلة.

ثاني قاعدة أن علينا أن نفهمهم أنه يجب أن تكون لديهم الوقاية، وأخذ الجرعة قبل أن يصل إليهم السم المزين بالإعلانات المنتشرة، ويجب أن يدركوا أن الألوان الزاهية، والإشعارات ذات البالون الأحمر، والمقاطع التي مدتها خمس عشرة ثانية؛ كلها مصممة خصيصًا من مهندسين نفسيين لتسرق عقولنا، وتشغلنا، وتشتت انتباهنا.

علينا أن نصارح أطفالنا، ونبين لهم أن هذه مصيدة لنا، لنضيع وقتنا، ويكسبوا هم أموالًا من ورائنا بسبب هذه الإعلانات، الطفل عندما يدرك أن أحدًا يريد أن يخدعه، سيسعى ليكون هو الصياد وليس الفريسة ويبدأ يسأل: "ليش هالإعلان طلع لي الحين؟"، ليتعلم من ذلك ويأخذ حذره في المرات المقبلة.

القاعدة الثالثة: علينا أن نبني لهم عالمًا حقيقيًا أقوى من العالم الرقمي، ونبعدهم عن الفراغ ونشغل وقتهم، فالطفل ما يدمن الهاتف لأنه يحب الهاتف، يدمنه لأنه يهرب فيه من الملل، ومن الصراخ، ومن جملة: "ما في شيء نعمله".

وفِّر له مغامرات حقيقية تُفرز الأدرينالين، مثل إشراكه في معسكر أو مخيم نهاية الأسبوع، أو مباراة كرة قدم مع أصحابه، أو تجارب طبخ جماعي، أو بناء بيت كرتون، أو تجارب علمية بالخل والبيكنج صودا، أو حتى زراعة نبتة ويتابع نموها، الفكرة تتمثل في إشغال وقت فراغه، وعندما يبني حياةً بعيدةً عن الشاشة، تصبح الشاشة مجرد أداة حياة كاملة، وبذلك نُبعد عنه الفراغ الذي يُولِّد الإدمان.

أما رابع قاعدة، فهي القدوة؛ إذ يجب أن نكون قدوتهم التي يرونها في كل وقت، فلا نطلب منهم ترك هواتفهم بينما نحن ممسكون بها أغلب أوقاتنا. الأطفال يتعلمون من الأفعال أكثر من الكلام، يتعلمون من سلوكياتنا وأعمالنا.

وآخر قاعدة يمكنني أن أدونها هنا، هي اتفاقية نصيغها نحن وعائلاتنا، ولنجعل لها مسمى: "ميثاق البيت الرقمي"، وأطفالنا يشاركون في صياغتها؛ فمثلًا يُمنع على الجميع استخدام الهاتف وقت تناول الطعام، وأن نبتعد جميعنا قبل النوم بساعة عن أي شاشات، وإذا أخطأ أحدنا نناقش الأمر دون فرض عقوبات.

وعندما يُوقِّع الطفل على هذا الميثاق، سوف يحترمه أكثر من أن نفرض رأينا عليه، وعلينا أن نطمئن لو لاحظنا طفلنا يستخدم التقنية ليصنع، ويتعلم، ويتواصل بهدف واضح، ويشاركنا في بعض الأعمال، وفي المقابل يحصل على قسط كافٍ من النوم، ويتناول طعامًا صحيًا وفي أوقات منتظمة، كما يمارس الرياضة ويمرح مع أصحابه، وفوق كل ذلك يتفوق في دراسته، ولديه هوايات يمارسها.

أما لو لاحظنا عصبية كلما حاولنا حرمانه من استخدام الأجهزة اللوحية أو الإلكترونية، ويواصل السهر حتى مطلع الفجر، وينتابه الإرهاق والتعب سريعًا، وتبدأ عليه علامات العزلة بعيدًا عن العائلة، إلى جانب تغير في المزاج، والابتعاد عن أصحابه، هنا علينا أن نقلق، وأن نبحث عن الأسباب، ونحتوي أطفالنا، ونجعل منهم صناعًا وقادة للتقنية.

علينا أيضًا أن نُخبره أن كل شيء ينشره هو وشم رقمي لا يُمحى، سواء كانت صورة أو تعليقًا، اجعله يتخيل المستقبل، لو أن هذه الصورة أو التغريدة ظهرت في المستقبل، هل سيكون راضيًا عنها؟ علمه أن يجعل له خصوصية، لأنها هي الأمان، فلا يرسل صوره، ولا يصدق كل ما يقال في المواقع. في المقابل كافئه إذا لاحظت تصميمه أو إنتاجه لشيء مفيد، لأننا عندما نكافئه نزرع في عقله أن المتعة في الإنتاج، وليست في الاستهلاك، هذه الخطوات صغيرة، لكنها تصنع جيلًا عظيمًا.

إنَّ طريق تربية أطفالنا الرقمية يبدأ اليوم، بقرار بسيط منا، ألا وهو أن نكون مدربين لهم، لا حراسًا وشرطةً تراقبهم، وأطفالنا أمانة في عالم لا يرحم ولا ينتظر أحدًا، عالم التقنية يتغير كل ستة شهور، فإما نبدأ بتجهيزهم له اليوم، أو ننصدم غدًا عندما نراهم تجهزوا لعالم غير عالمنا، لا نعرف قواعده ولا أفكاره.

علينا أن نختار لأطفالنا، ونجعلهم يشاركوننا الاختيار بالشرح لهم: هل يكونوا ضحية التقنية؟ أم يكونوا هم من يقود العالم التقني ويتحكم فيه؟ وكما قال ستيف جوبز "نحن لا نربي أطفالنا لعالمنا، بل نربيهم لعالمهم". وعالمهم رقمي، وإما أن نعلّمهم قيادته، أو سيقودهم هو، فالكلمة الآن لنا، وعلينا أن نتخذ القرار الصائب، فالقرار اليوم، والأثر لهذا القرار نراه غدًا.

وفي الختام أسأل الله أن يجعل أبناءنا من الصالحين المُصلحين، ويجعل التقنية في أيديهم سلاحَ حقٍ لا سهم باطل؛ فاللَّهم علِّمهُم ما ينفعهم، وانفعهم بما علمتهم، واجعلهم قادة لا أتباعاً.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z