أحمد الفقيه العجيلي
حين أعلنت السعودية وتركيا وباكستان عن اتفاق مكة للدفاع المُشترك، لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانًا للتوقيع تفصيلًا عابرًا، فمكة ليست مجرد مدينة تستضيف اجتماعًا سياسيًا، وإنما هي المكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين في صلاتهم، وتلتقي فيه أمة كاملة حول معنى يتجاوز الحدود والجغرافيا.
ولهذا فإنَّ اختيارها عنوانًا لهذا الاتفاق يضيف إليه منذ لحظة ولادته بُعدًا رمزيًا يصعب فصله عن دلالته السياسية والاستراتيجية.
كما أن حضور المملكة العربية السعودية في هذا الاتفاق لا يرتبط بثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي فحسب، بل بمكانتها الدينية أيضًا؛ فهي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتحمل مكانة استثنائية في وجدان العالم الإسلامي.
ومن هنا تبدو دلالة اجتماع الدول الثلاث أكثر وضوحًا: السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الدينية، وتركيا بما راكمته من قدرات صناعية وعسكرية، وباكستان بخبرتها العسكرية وقدرتها الاستراتيجية.
أما الاتفاق نفسه، فيقوم على مبدأ واضح: أنَّ أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا. وهي صيغة تنقل العلاقة بينها من مستوى التعاون والتنسيق إلى التزام دفاعي مشترك.
إنَّ الإعلان عن اتفاق مكة للدفاع المشترك يمثل لحظة فارقة في تاريخ المنطقة الحديث، لحظة يتحول فيها المنطق السياسي من انتظار المظلات الأمنية الخارجية إلى صياغة معادلة ردع ذاتية تنطلق من قلب العالم الإسلامي.
لكن قيمة الاتفاق لن تحددها صيغة الإعلان وحدها، وإنما ما ستفعله الدول الثلاث بعد ذلك؛ فالقوة التي تمثلها كل دولة على حدة يمكن أن تصبح أكثر تأثيرًا عندما تجد طريقها إلى التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات، لكن ذلك يحتاج إلى آليات واضحة للتدريب والتخطيط وتبادل المعلومات، وإلى إرادة سياسية تحافظ على هذا التعاون مع مرور الوقت.
واللافت أيضًا أنَّ الاتفاق يترك الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى؛ فقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى إمكانية انضمام دول أخرى، وذكر مصر تحديدًا ضمن الدول التي يُمكن أن تنضم إليه، مع بقاء بعض الترتيبات الفنية بحاجة إلى الاستكمال.
وإذا تحقق ذلك، فإنَّ دخول مصر سيضيف إلى الاتفاق ثقلًا سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا، وقد يمنحه مساحة أوسع من التأثير.
لكن التوسع، إن حدث، لن يلغي حقيقة أساسية: لكل دولة حساباتها ومصالحها وعلاقاتها القائمة. وهذا أمر طبيعي في أي ترتيبات دولية، فالدول تدخل التحالفات لتأمين مصالحها وتعزيز أمنها، ولا تتخلى بمجرد ذلك عن علاقاتها مع بقية الأطراف.
ولهذا من الصعب النظر إلى «اتفاق مكة» باعتباره اتفاقًا موجهًا ضد دولة بعينها؛ فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات متعددة مع قوى إقليمية ودولية مختلفة، وما أعلن عنه حتى الآن يضع الاتفاق في إطار دفاعي، هدفه تعزيز قدرة الدول المشاركة على حماية أمنها ومصالحها.
ثم تأتي مكة، بكل ما تحمله من معنى؛ فحين يُعلن اتفاق دفاعي بهذا الحجم من جوار البيت الحرام، وفي يوم الجمعة، فإنَّ المكان يمنحه بعدًا يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة. ومكة تمثل للأمة الإسلامية مركزًا روحيًا جامعًا، واختيارها عنوانًا لاتفاق يجمع ثلاث دول مُسلمة يجعل الرسالة أكثر قربًا من وجدان الناس؛ رسالة تقول إنَّ التعاون يمكن أن يستند إلى مصالح مشتركة، وإلى عمق تاريخي وحضاري وروحي يجمع هذه الدول.
لكن الرمزية، مهما كانت قوية، لا تستطيع وحدها أن تصنع اتفاقًا ناجحًا.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع: هل تنشأ آليات دفاعية مشتركة؟ هل يتحول التعاون إلى تدريبات وتبادل للخبرات والمعلومات؟ وهل تستطيع الدول الثلاث، ومعها أي دول قد تنضم لاحقًا، بناء قدر من التكامل يجعل الاتفاق قابلًا للعمل عندما تفرض الظروف ذلك؟
هذه الأسئلة ستجيب عنها المرحلة المُقبلة.
ويبدو أنَّ المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها البناء الذاتي للأمن؛ مرحلة تعلن فيها القوى الرئيسية أن استقرار المنطقة يُصنع بإرادة أبنائها وقدراتهم المباشرة، في تحول جيوسياسي ستتردد أصداؤه طويلًا في أروقة السياسة الدولية.
ولهذا ربما يكون من الأفضل النظر إلى «اتفاق مكة» باعتباره بداية لمسار، وليس نهاية لمسار.
فهو يعكس رغبة في توسيع هامش الخيارات الأمنية، وتعزيز التعاون بين دول تملك عناصر قوة مختلفة، وبناء قدر أكبر من الاعتماد المتبادل في مجال الدفاع.
وقد يكون انضمام دول أخرى، وفي مقدمتها مصر إذا اكتملت الترتيبات الخاصة بذلك، أول اختبار لقدرة هذا الاتفاق على الانتقال من صيغة ثلاثية إلى إطار أوسع.
أما الحكم على ما إذا كان «اتفاق مكة» سيصبح بالفعل نقطة تحول في أمن المنطقة، فما زال مبكرًا؛ فالأيام القادمة هي التي ستكشف مدى قدرة الدول المشاركة على تحويل هذا الالتزام إلى تعاون دفاعي فعلي، له آلياته وقدرته على التعامل مع التحديات عندما تفرض الظروف ذلك.
وفي كل الأحوال، يبقى اختيار مكة عنوانًا لهذا الاتفاق أكثر من تفصيل بروتوكولي؛ فهو يمنح الحدث معنى يتجاوز لغة السلاح والأرقام، ويستحضر في المقابل معنى التعاضد والمسؤولية المشتركة، ويضع أمام أطرافه مسؤولية أكبر: أن تتحول هذه القوة حين تجتمع إلى وسيلة لحماية الاستقرار، وأن يكون الردع بابًا للأمن لا مقدمة لصراع جديد.
