حس الجماد 11 

وجدان الطبيعة والروابط الروحية مع الموجودات
 حمد الناصري


من رحم التناغم الحِسي الذي يتبلور في اللحظة المعيشية بين الانسان وبين الجماد، تنفتح أمامنا أفكار جديدة، تُعيد تشكيل المفاهيم وسيكولوجيتها الإبداعية وتناغمها الحسي الصّرف، والتناغم الحِسي له جذور مُمتدة وهو مُستمر في كل الأزمنة ـــ قديماً وحديثاً ـــ طالما هُناك التقاءٌ حِسي آدمي مع الجماد أو كائن من مخلوقات صمّاء من صُنع الانسان المُستخلف.

وخير مثال في عصرنا، الآلة الصمّاء وما تحتويه من تدفق معرفي، وما تُقدمه من إرشاد وإحصاء وسرعة، فإنها تضع العقل البشري أمام تحدٍ فلسفي وأخلاقي وجودي؛ يكمن في فك الشفرة بين حِسّ الجماد المُتصلب والحِس البشري الدافئ. وهي الشفرة التي تَفْرِضُ على الوعي الإنساني ألا يَنقاد لبرودة النمذجة الرقمية، بل عليه أن يستنهض طاقته الأخلاقية لاسترداد سيادته الفكرية والعقلية والحسّية والوجدانية وتطويع الجماد بنقائه الاستخلافي على الكائنات والموجودات في الأرض وعلى الكيان الآلي الجاف المُستحدث، الذي طوّعهُ ليكون صنيعةً إبداعية من عُصارة فكره المُكَرّم من فوق سبع سماوات طِباق. فالآلة الميكانيكية تظل مُفتقرة لسرّ الروح المُعظمة في كينونة الطين الآدمية. 

وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف الوجودي الألماني "كارل ياسبرز" أنَّ الآلة والتقنية تملك القدرة على مُحاكاة وتنظيم كل شيء معرفي وجاف، لكنها تُجرد الإنسان من روحه وحقيقته إذا استسلم لها. والتحدي الأكبر للبشرية اليوم هو الحفاظ على القيمة الوجودية والأخلاقية الدافئة؛ إذ علينا أن نُدرك أنّ فهمنا للآلة لا يقوم على عِدائها أو نفي جَوْهرها، بل على تطويعها بالنبض الحِسي في جوهرها الآلي؛ هذا الجسد التقني الذي يُعرف اليوم بالسيليكون. 

إذن نقول: إنّ إدراك حِسّ الجماد في الطبيعة لا يختلف جذرياً عن حِسّ الآلة المبرمجة والمشحونة بالمعلومات المعرفية؛ لكن الاختلاف يكمن في كونية الموجودات والشواهد الطبيعية، التي تُؤكد أنّ ناموساً كونياً يشحن حِسّ الجماد الطبيعي ــ من بحرٍ، ورملٍ، وشجرٍ، ونبات ــ بطاقةٍ وعلاقةٍ تتناغم كألفة المكان، بل وتتجاوز جمود الآلة المتشكّلة برابطة ترتبط بعلاقة الحِس البشري.
 إذن نقول: إنّ إدراك حِسّ الجماد في الطبيعة لا يختلف جذرياً عن حِسّ الآلة المبرمجة والمشحونة بالمعلومات المعرفية؛ لكن الاختلاف في كونية الموجودات والشواهد الطبيعية، تُؤكد: أنّ ناموسًا كونيًا يشحن حسّ الجماد الطبيعي ــ بحر، ورمل، وشجر، ونبات ــ طاقةً وعلاقة تتناغم كألفة المكان. بل تتجاوز جمود الآلة المتشكّلة بألفة ترتبط بعلاقة الحس البشري. لذلك قد تجد الكائنات الصامتة لا تشظيات لها، فوجودها متماسكٌ وغيرُ متناثرٍ، ولا هي فاقدة للجوهر؛ بل تشعرك بأنها وعاءٌ وجدانيٌّ مؤتمنٌ، ليكون الآدميُّ المُؤتمنُ مُستخلفاً عليها بقدرة الخالق الأسمى.

وضمن هذا المنظور لِلوِعاء الوجداني، نجد حين يلتقي الحس الطبيعي "الجماد" بالحس الوجداني "الإنساني" ترتفع التجليات، فيرتد الحِس التناغمي ويلتقي بالنبض الوجْداني عند أرقى تجليات التلامس الوجودي. ونضرب مثالاً على ذلك؛ اهتز جبل أُحُد محبة واشتياقاً، وبكى جذع الشجرة اليابس شوقاً لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وحنّ حنين المُفارق، وأخرج صوتاً وأنيناً وحنيناً؛ وذلك هو حِس الجماد في الواقعية الحسية المعايشة. فحين يتناغم الجماد "الجذع" مع حِس الإنسان، مُحققاً ظاهرة الاستجابة الوجدانية المتبادلة، فلا نجد لها تحليلاً سببيّاً مادياً، غير علاقة الألفة والاطمئنان الحِسي؛ ذلك الإحساس الـمُتبادل بين الروح الآدمية ومادة الجماد الكونية. 

وفي هذا الجانب، يرى فيلسوف الطبيعة والروح الألماني "فريدريش شيلينغ" في أطروحته الأنطولوجية أنَّ الطبيعة والجماد ليسا مادة ميتة أو مُنفصلة عن الوعي، بل إنّ الجماد الكوني وموجوداته يُمثل روحاً مُتحجرة تسعى وتتوق للاتحاد والتناغم مع الروح الإنسانية لـتستعيد وعيها الوجودي المشترك. وهنا تتجلى أطروحتنا في أنَّ هذا الاتحاد لا يتحقق بأكمله إلا عبر الروح الآدمية المُستخلفة، التي طوّعت هذا الوجود بنقائها المعرفي المكرم.
ويتجلى ــــ هُنا ـــ الناموس الوجداني في تجربة وجودية حية، شهدتها جبال عُمان الشاهقة على الطريق الجبلي الترابي قيْدَ الإنشاء الرابط بين ولاية قريات وولاية صُور؛ ومع مُداهمة ظِلال المساء القاتمة عند الرابعة عصراً في ذلك التوقيت الشتوي، وفي بُقعة وجودية معزولة تماماً، بَلَغَت حدّ الصّمْت القاتِل والخوف المَحض؛ حيث عجزت عضلات الحديد في سيارةٍ صغيرةٍ من نوع "كامري" عن بلوغ القِمَة، وبدأت بالارتداد العكسي نحو الهوة السحيقة، وكان يستقِلّها زوجان مع طفلتهما البَكْر التي لم تتجاوز ربيعها الأول؛ وهي الطفلة التي تختزل في ذاتها الغضة مُستودع المشاعر الأبوية الدافئة. 

وما إنْ استقرت المركبة فوق ذروة الجبل حتى ركبت رأسها وعاندت طاقة التشغيل برفض صَلب. غير أنّ الوعي الأنثوي للأم، المُنشطر بين رعاية طفلتها والحفاظ على أمن عائلتها، تحرّك لاسترداد بعض المتاع؛ وأثناء إمساكها بالمفتاح، كانت في أعماقها تُناجي جسد السيارة الصامت، وتتوسّل إلى حديدها الخفي مستنهضةً حسّ الأمومة الكوني، ومستعطفةً إيّاها من أجل سلامة طفلتها الكامنة في مهدها الصغير؛ إذ دَبّتِ الحياة بغتةً في عروق المحرك وهدر طائعاً وبكل أريحية وسط ذهول الجميع، لتسير العائلة بسلام تحت رعاية التدبير الحكيم نحو مشارف ولاية قريات. 

إنّ هذا المأزق الوجودي والرهبة العميقة المنبعثة من صمت الجبال وعِناد الماكينة، ليسا ناتجينِ عن عجزٍ ميكانيكيّ مُجرد أو وَهْم نفسيّ عابر، بل هما تجسيدٌ حيّ لما يُؤصّله الفيلسوف الظاهراتي "موريس ميرلو بونتي" في أطروحته عن الإدراك الحسي؛ "والتي نقلها إلى العربية المترجم فؤاد شاهين في بيروت"؛ إذ يرى أنَّ "العالم الخارجي المُحيط بموجوداته وجوامده لم يكن مادةً هندسية محايدة نقف خارجها وحسب، بل هو امتدادٌ لحسنا الإنساني؛ فالأشياء من حولنا تمتلك حِساً كامناً، وتتحرك معنا في أفقٍ وجوديّ مُشترك، مُنفعلةً بحضورنا ومُستجيبة لنبضنا الحسي المباشر". 
ومن هنا، يَتكشّفُ لنا أنّ الجماد يُخاطب الوعي ككيان مُنفعل بالرهبة والهيبة الكونية الأخلاقية؛ فالجماد يتكلّم بلغته الصامتة، مُوجهاً رسالته الفاعلة إلى الوعي الإنساني، لتُعلن الكائنات بحِسِّها الكامن عن تضامنها الأخلاقي مع الإنسان لإنقاذه واسترداد أمانة استخلافه. 

وعلى ضوء ذلك نقول: إنّ وعي الإنسان متصل بحس الجماد من آلات صمّاء وكائنات جامدة وموجودات كونية كالبحر، وجذوع النخيل، والأشجار، والحجارة، وصلابة الجبال؛ وهذه الجمادات ليست معزولة عن حِسّها وتناغمها مع وعي الإنسان، أو مع حِس الأشياء المُجاورة لها. وفي هذا السياق نورد فلسفة "ميرلو بونتي" (Merleau-Ponty) المعروفة بالفلسفة الظاهراتية (Phenomenology)، والتي ترفض الفصل بين الإنسان ككائن عاقل وبين الجماد كمادة صَماء؛ وهذه الفلسفة تتفق وتتطابق مع أطروحتنا "حسّ الجماد الواقعية المعيشية". وما نؤصّله في فهمها، هو تناغم حِس الآدمي مع المُحيط به بوعي دقيق الواقعية، ويكمن في بُعدينِ: حركيٍّ ووجوديٍّ، حِسَّينِ مُترابطينِ تُؤطرهما علاقة التناغم؛ وهو ما يُفسّر عِناد ماكينة السيارة وانصياعها الآني؛ إذ بفطرتها الصمّاء، رفضَتْ الانصياع للحالة العالقة في المنحدر الحرج في البداية، بينما انقادت طائعة لمناجاة الأمومة وحسّ الطفولة، وهو ذلك التجسيد الذي نعنيه في حِسّ الجماد الكامن في صَلب تكوينها وبُنيتهَا الصلبة.  
  خُلاصة القول: إنّ السيادة الحِسية بوعي الواقعية الحسية هي حَكْر مَصُون لطينة الإنسان ونفخته الروحية المُودعة بالأسرار والمعجزات الإلهية الخالدة.

*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب. *

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z