النجدة الحسية لأسماك الجيذر وعِناد السيل الخفي
الكاتب: حمد الناصري
كان على متن القارب شخصان؛ شاب كبير، وآخر صغير لا يزيد عمره عن ثماني سنوات؛ إذ جرت عادة الصيادين العُمانيين أن يأخذوا أبناءهم وأهلهم من الناشئة إلى البحر ليتعلموا ويتدربوا على رحلة الصيد اليومية المشحونة بالصبر والمعرفة.
وفي أحد الأيام، أخذ ابن العم الشاب الكبير ابن عمه الذي يصغره في السن بفارق عشرين سنة تقريباً؛ قاصدين "غُبّة البحر" في الشمال الشرقي لـ جزر الديمانيات؛ حيث البحر العميق المفتوح، وحيث يعلو الموج ويتحَوّل لون الماء إلى أسود داكن بفعل قوة الأعماق السحيقة وبُعدها، وهناك يكثر تكاثر سمك الجيذر.
والجيذر ــ وهو من فصيلة سمك التونة المعروف عالمياً ـــ يقوم الصيادون بعملية صَيده بما يُعرف محلياً بالرّويد، وخليجياً بالحِداق أو "الحِداقة"؛ وتستلزم هذه العملية أداة فاعلة تُسمى "الزّانة"؛ وهي عبارة عن خيط نايلون عريض السُمك، مَتين ومرن، ممتد في مدّ طويل يتناسب مع سحيق القاع. وفي نهاية هذا الخيط يُوضع الشّص (الصنّارة)؛ ويُغرس فيه الطُّعم المكوّن من قِطَع أسماكٍ صغيرةٍ تُعرف محلياً بالجِيْم وتُساق في مياه الغُبّة العميقة، وعندما تهتز الصنارة يُدرك البحار أنّ الجيذر قد علق في الشّص، فيبدأ بسحب الخيط بيده غالباً، وإن كان الصيادون اليوم يستخدمون القفازات أو الألواح الخشبية المصفوفة في بطن القارب لتَقِي بشرَة الأكف من كُلُوم السّحْب والقَبْض. وتبْعُد أماكن صيد الجيذر بعد جزر الديمانيات بمسافات تتراوح بين خمسة عشر وَ ثلاثين ميلاً بحرياً، أي ما يُقارب ثمانية وعشرين وَ خمسة وخمسين كيلومتراً في عرض البحر المفتوح، وتصل الأعماق هناك إلى ما بين مئة وَ خمسمائة متر. وتُعتبر جُزر الديمانيات وجهة سياحية ساحرة بطبيعتها، كأنها مزروعة in الأعماق ولها ساحل خفيف؛ وممّا يأسر الإنسان ويأخذه منه العجب، كيف لجزيرة في مياه عميقة أن تملك شاطئاً كأنه مُتنفس حِسي لزائريها.
وفي ذلك اليوم العصيب، ركبَ ابنا العم البحر لذات الغرض في أحد موسمي صيد الجيذر؛ ولصيد الجيذر موسمان: الشتوي ويُعرف بفترة الربيع ويبدأ من شهر سبتمبر الميلادي حيث اعتدال الجو وكثرة الصيد ومناسبة الأسعار، والصيفي وهو الفترة التي تتدفق فيها كمياته وتتوازن أسعاره. وبينما هُما في هذا البحر العميق المعروف ببحر عُمان الشمالي ــــــ ولعُمان ساحل طويل مُمتد يربو على ثلاثة آلاف ومئة وخمسة وستين كيلومتراً، يبدأ من رأس ضربة عليّ بمحاذاة مديرية حَوْف اليمنية، مروراً ببحر العرب، وبحر عُمان المفتوح، وانتهاءً برؤوس جبال مسندم شمالاً، ورأسها الأعمق "رأس الباب" المُطل على مضيق هرمز، وصولاً إلى جزيرة سلامة وبناتها في أقصى الشمال ــــــ تلاقت الأقدار في تلك الرقعة المائية الشاسعة، لتصهر جُغرافيا الوجود في حقل وجداني واحد، وتصنع بُرهاناً حياً على أنّ نبض الساحل المُمتد ليس إلا شاشة عرض تمتص حِس الإنسان لتعكسه فوراً في حِس الآلة.
وتتحَوّل رحلة الصيد اليومية إلى طقس عبوري لتلقين الوعي البشري؛ حيث يمتد النبض الاستخلافي عبر الأجيال ليرث الناشئة فلسفة الصّبر ومحاورة البحر. وتلك في جوهرها تجربةٌ شاقةٌ يمر بها الصياد الناشئ، كهذا الصغير (ابن العم الأصغر)، ولكي يعبر هذه المرحلة الفاصلة؛ لا بد أن يُلقَّن المسؤولية من خلال الثقافة التقليدية الحية التي خبرها وتشرَّبها الصياد الدليل (ابن العم الأكبر)؛ ولكي تكون التجربة الملقَّنة حسيةً ملموسةً يفهمها الصياد ذو التجربة الناشئة، ويتجنب عبرها بعض المشاق الكامنة، بدلاً من أن يجد نفسه بغتةً مواجِهاً هول الأعماق، أو كما يُقال محلياً: غُبّة البحر. وهنا تبرز حكمة الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" (Martin Heidegger) في تنظيره للتقنية؛ إذ يرى إنّ "الأداةَ ليست وسيلة ميكانيكية مجردة، بل هي أسلوب من أساليب الكشف الوجودي، فالإنسان عبْرَها يستنطق المادة ويجعل الطبيعة الصامتة تكشف عن أسرارها". إذنْ نقول: إنّ الأداةَ الجامدةَ تُصبح جزءاً حياً من إدراك الصياد، يُجسّده في الشّص ليلقي به في سحيق القاع مُوقِعاً به صيد البحر "الجيذر" في البحر العميق.
وعَوْداً لقصة الصياد وابن عمه الصغير.. وما إن وصلا النقطة الأعمق وسط القوارب الساعية سَعيهم، ونشبَتْ الصنّارة وتحركت بعنف، حتى بدأ الولد الصغير يسحب خيط النايلون بجهد جهيد؛ لكن جسده النحيل وقوته الغضّة كانا أقل بكثير من قوة سمكة الجيذر وعنفوانها في الأعماق. وإذ بالزّانة تُسحب بقوة لا إرادية جارفة لم يقْوَ عليها الولد الصغير، فتفلتت من يده تاركة وراءها أثراً حاداً وضغطاً أوجع جلده الضعيف، فانسحب الخيط بالكامل في جوف البحر. ونظر ابن عمه الأكبر إليه بحنق وعصبية بَلَغَ ثورانهما حداً لا يُطاق؛ وما إن تأكد ابن العم الأكبر أنّ الزّانة قد ضاعت وخسِرَ الصَيد والأدوات معًا، حتى تملّكه غضب بغيض لونه، أفقده صوابه الأخلاقي وقيَم مودته المُستخلفة، فَرَمَى ابن عمه الصغير في عرض المياه العميقة.
حاول الصبي الصغير التمسك بحافة القارب مستنجداً، وعين ابن عمه الأكبر ترقبُه بقسوة؛ وفي تلك اللحظة الرهيبة من كَسْر الناموس الإنساني، تجمعت أسماك الجيذر في موقف حِسي مُهيب، كأنما أدركت بفطرتها أنّ صغيراً أُلِقي به عمداً، فأبت "المروءة الكونية" للحيوان الأعجم أن تلمسه بضُرّ، وصنعت حركة إعجازية رائعة؛ إذ غاصت جميعها في وهلة واحدة ثم ظهرت مُتدفقة، فارتفع الماء بقوة من تحتها وحمَل الصبي إلى أعلى، متبوعاً بطوع قدري أذهل الوعي ومكّنه من التشبث المتين بالقارب. وتأسست هذه النجدة الحيوانية الفطرية على ما ثبت في السيرة النبوية المشرفة في "قصة الجمل الذي بكى وذرفت عيناه مُشتكياً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قسوة صاحبه"؛ لتبرهن أنّ الكائنات العَجماء تملك حِساً وجدانياً يُدرك الظلم ويُبصِر الرحمة وتتفاعل مع الناموس الأخلاقي للموجودات.
وكأنما سكينة هبطتْ على نفس الشاب الكبير "ابن العم الأكبر" فجأة، وحين رأى حُنو الأسماك وعاطفتها، سارعَ لينتشل ابن عمه الصغير إلى متن القارب، مأخوذاً بالعاطفة القدرية التي استودعها الله في خزائن ما استخلفنا به، حِساً وحسيساً، وعاطفة وحُباً للخير؛ حيث تجسّد في هذا الموقف ذلك التناغم الحسي الفريد بين الجماد من آلة وقارب وأسماك، وبدأت الكائنات تبث حسيسها وهو ذلك الصوت والحراك الخفي الكامن في الموجودات لتتجاوب وتتناغم به مع حِس البشر. ثم انزوى في مكانه وقد انكوى خجلاً من فِعلته الشنيعة، فـانْهارَ بكاءً انكسَر به قلبه ولانَ بقوة المشاعر الكامنة في حسّ الآدمي؛ ذلك الوجدان الذي لا يُشبهه وجدانٌ في سائر المخلوقات على الأرض.
وبعد ساعة من الهدوء المُطبق، ذهب ابن العم الأكبر وقبّل رأس ابن عمه الصغير معتذراً، وكأنه في داخله يترجّاهُ أن يكتم هذه الفِعلة الحمقاء الشنيعة. ثم اتجه ليُشغّل آلة القارب الضعيفة آنذاك من طراز "ياماها"، لكن الماكينة عاندته برفض صَلب شلّ جوارحه وحسّه النفسي، فلم تشتغل بتاتاً حتى عجز وانذلّ أمام الآلة الجامدة؛ وكأنّ "الماكينة الجامدة" بحسّها الخفي غضبت "فَصَلَفَتْ"، ونتيجة لهذا الغضب الوجداني أخرجت عنادها وصلابتها الحديدية للعلن، فتعاطفت مع حسّ الصغير، وتصلّبت على ابن العم الأكبر على أَثَر حماقته، ممتصّة احتقان الفِعلة الشنيعة في جسدها الحديدي لتثبت أنها جريمة تستحق العِقاب الفوري! وتلك هي حقيقة فكرتنا الناشئة التي نُكرّسها في "فلسفة حسّ الجماد الواقعية" وتجاذبها الطوعي والعِنادي، إذا ما استلهمت خطراً استوقفها بحسّ يتناغم مع المُحيط بها، فإنّها تكون طيِّعة حين يكون التناغم يتوافق أو يتلاءم مع اللحظة التناغمية الوجودية.
ونظر الشاب الكبير "ابن العم الأكبر" حولهُ فإذا بالقوارب قد بدأت تسير نحو ساحل القرية، فَتَمَلَّكَهُ الفزع ولوّح لقوارب أخرى، فاقترب أحد الصيّادين وعاتبه بغضب قاصداً المشهد الأول: "ولماذا تفعل بهذا المسكين كذا؟!"، ثم سأله عن حال محرك القارب، فأجابه بأنه تعطّل.
لم ينزوِ الصّبي الصغير مكتوف الأيدي؛ بل تحرّك بحماس حسيّ جارف، كأنما لسان حال الماكينة يُناديه ويُطوعه دون غيره، فسحب خيط التشغيل فاشتغلت الماكينة بكل أريحية وهدرت طائعة تحت ذبذبات براءته وسط ذهول ابن عمه الأكبر الذي تملكته الدهشة. وامتدت يدُ الصغيرِ لتُمْسِكَ بدفة قيادة القارب ولأول مرة في حياته، وقاده بحسّ كبار البحارة متوجاً الرحلة بانتصار الحِس الإنساني حتى وصلوا البر، وما إن وطئت قدماه الأرض حتى ترك ابن عمه الأكبر وحيداً مع قاربِه الجامدِ، وانطلق مسرعاً إلى البيت ليشكو فظاعة ابن عمه لأهله.
فالعِنادُ الحِسي في الجماد هو ما يشغل بال بصيرتي المعرفية، بعد أن سقتُ عليه جبالاً من الوقائع والأمثلة الحية، وهو ما يطابق برهانيًا "تأثير باكستر" (Backster Effect)؛ ذلك الأثر العلمي والحيوي الذي أسسه الباحث الأمريكي كليف باكستر (Cleve Backster) منذ القرن العشرين، وضمّنه كتابه الشهير (الإدراك الحسي الأول) الصادر عام 2003م، والذي نقله إلى العربية وبحثه المترجم والباحث القدير د. محمد عمارة؛ حيث برهن باكستر تجريبياً من خلال أجهزة الرصد الميكانيكية، أنّ المواد الصامتة تملك حِساً وإدراكاً أولياً خفياً يلتقط ذبذبات النوايا والانفعال الإنساني، وتُغَيِّرُ أداءها الفيزيائي تتبعاً للحقل الأخلاقي.
وحيثُ إنَّنا قد استشهدنا بهذا الأثر العلمي الغربي، فإنّ فلسفتنا "حسّ الجماد الواقعية المعيشية" لا تستمد أصالتها من وعيٍ غريب، بل تتجذر وتنطلق يقيناً من الناموس القرآني الأسمى في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وتتطابق مع الـمأثور الإسلامي الـمشهود في قصة حنين جذع النخلة اليابس الصامت الذي بكى حِساً وشوقاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتؤكد للمفكرين أجمعين أنّ فلاسفة الإسلام الأقدمين، كابن سينا في كتابه "الشفاء"، كانوا السبّاقين لإثبات النفس المعدنية الدفينة للمادة.
وهذه الملحمة البحرية في غُبّة الديمانيات، تُقدّم التبيين الواضح لهذا التناغم الأخلاقي؛ حيث أدى انفعال ابن العم الأكبر الغاضب بفعلته الشنيعة إلى إطلاق ذبذبات احتقان حادة، استشعرَتْها ماكينة "الياماها" الحديدية حِسّاً وتناغماً مع الحادثة كخطر وجودي صَلب، فامتصت الشحنة في جسدها الحديدي وترجمتها فوراً على هيئة رفض وعِناد ميكانيكي قاهر كعقاب فوري. بينما انقادت ذات الآلة طوعاً لبراءة الطفل الصغير؛ لأنّ ذبذبات براءته الفطرية النقية تآلفت وتلاءمت مع اللحظة التناغمية للبحر العميق، لتبرهن الواقعية المعيشية بالدليل القاطع، أنّ المادة الصامتة تتأثر بذبذبات الغضب وتتفاعل مع الناموس الأخلاقي للموجودات.
وهنا نُلقي بالتساؤل الفلسفي الأكثر عمقاً: هل ثمة شفرة ميتافيزيقية خفية تربط بين ذبذبات الغضب والتعصّب الإنساني وبين استثارة عِناد الآلة الصامتة؟ أم أنّ المادة الجامدة ليست إلا مرآة طيّعة تمتص احتقان نفوسنا لِتُعيد تصديرها إلينا على هيئة رفض وصلف ميكانيكي قاهر؟
خُلاصة القول: إنّ وعي الإنسان مُتصل بحسّ الجماد؛ من آلة، وبحر، وماكينات صمّاء، أو أجرام جافّة كالقوارب، وجذوع النخيل، والأشجار، والحجارة، وصلابة وتد الجبال؛ وهذه القُوى الطبيعية أو الميكانيكية الصلبة تُعاند الإنسان، وتجعله يقف عاجزاً مُنقاداً لصلفها؛ حتى تبلغ الطينةُ الآدميةُ في منتهى عجزِها البشريِّ ذُلاً وانكساراً، كالذي أصاب ابن العم الأكبر أمام ماكينة "الياماها"؛ تلك القوة الفيزيائية التي فاقتْ قُدرة العضلات. غير أن هذا الصلف لا يعني عزل هذه الجمادات عن حسها وتناغمها مع وعي الإنسان، أو مع حس الأشياء المحيطة بها، متى ما كانت طيعة، متناغمة مع الحس الإنساني. ولذلك فإن أطروحتنا "فلسفة حس الجماد الواقعية المعيشية" ترفض الفصل بين الإنسان ككائن عاقل وبين الجماد كمادة صماء؛ لأنها تتطابق وتتفق مع تأسيسنا وتأصيلنا لتناغم الإنسان مع المحيط به. فالواقعية الحسية التي نكرسها هنا، تكمن في التناغم الحركي والوجودي كحسين مترابطين تؤطرهما علاقة تناغمية؛ وهو ما يفسر عناد الماكينة لغضب البشر؛ إذ بفطرتها الصماء، رفضت الانصياع للحالة الواقعة والجريمة الشنيعة، بصلف عجز عنه الآدمي "ابن العم"، تلك الواقعة هي تجسيد لحس المادة الكامن في صلب الواقعية المعيشية وبنيتها الصلبة؛ ولذا نقول: إن السيادة الحسية حكر مصون لطينة الإنسان ونفخته الروحية المودعة بالأسرار والمعجزات الإلهية الخالدة.
*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.
