الأدب الفارسي

 

 

 

علي بن عبدالله اللواتي

 

الحديث عن الأدب الفارسي يعني ذلك الأدب البليغ البديع الذي تميزت به الدولة الفارسية. بعد فتح العرب لها ودخولها في الإسلام واللغة العربية، وفيها امتزجت الحضارتان العريقتان الفارسية والإسلامية في بوتقة خصبة فأنتجت الحضارة والشخصية الإيرانية الجديدة وهو الأدب الفارسي الإسلامي الحديث.

هذا كله يؤدي إلى الكلام عن أهل الأدب ونشأتهم وموطنهم ولغتهم وعقائدهم وعن آثارهم الأدبية لإبراز الفكرة من الأدب الفارسي. وتدل الدراسات والأبحاث التي قامت لمعرفة أصل الإيرانيين وموطنهم، فإنهم ينتمون إلى الأسرة الهندية – الأوربية، واستنادا إلى بعض القرائن والأدلة فإنهم سكنوا أرضاً ذات مناخ بري وأنهم سكان سهول لا جبال فيها ولا أدغال ويقال إنهم جاءوا من الشمال أي شمال خراسان، أو سهول جنوب روسيا المجاورة، وكان لتكاثرهم وقلة الأرزاق وضيق الرقعة اضطرتهم إلى النزوح عن وطنهم إلى الأراضي الخصبة والمتسعة.

 يقول ماكس مللر، إن الهنود والإيرانيين كانوا يعيشون معاً حول البنجاب ولما ظهر زوردشت ودعاهم إلى عبادة هرمز. ولكن عناد الشعب جعلهم إلى الهجرة غربا والتي عرفت باسم إيران، وتدل خلاصة بحوث المحققين أن الآريين انقسموا إلى شعبتين اتجهت إحداهما إلى الشرق عابرة جبال هندوكوش، وأطلقوا عليها اسم (أريا ورتاaira varta) أي بلاد الآريين. والأخرى نزلت آسيا الوسطى على شاطئ نهر (وحشو vaxshu) المقدس المعروف حالياً باسم جيحون، وسموها (أئير وئجهairyana vajah) أي وطن الآريين.

إيران اسم قومي لوطنهم الحالي، أما بالنسبة لاسم فارس؛ فهو مأخوذ من اسم ولاية فارس موطن قورش وارث (ميديا) ومؤسس الإمبراطورية (الهخامنشية) وإليها تنتسب لغة البلاد وأدبها.

أما بالنسبة لمعتقداتهم الدينية، فإنهم كانوا يعبدون الظواهر الطبيعية كأسلافهم الهندوربين. وقد جاء الآرايون بعقائدهم الموروثة في وطنهم الجديد وكانت هذه الآلهة ذات صفات وسمات تتميز بها عن بعضها البعض ويطلق على إحداها (دوا) وعلى رأسها (أندرا) إله الحرب، والأخرى (أسورا أو أهورا) وكبير هذا الفريق (وارونا varuna)، الذي عرف باسم (مزدا) أي العالم.

وقد ظهر بين عُبّاد (أهورنا) مصطلح ديني كبير اسمه (زردشت) الذي ثار على تعدد الآلهة ونادى بـ(أمورا مزدا) أي الاله العالم بكل شيء. ولكن الايرانيين حتى آخر عهد (الهخامنشيين) لم يكونوا على دين زردشت، ولم يصبح دينا رسميا للدولة، الا في أيام (الساسانيين) وتقوم ديانة زردشت على أصول ثلاثة:

 1 ـ عمارة العالم، بناء البيت وتكوين الأسرة وكثرة النسل وزراعة الأرض وتربية المواشي والقضاء على الحيوانات المؤذية والعناية بصحة البدن والطهارة وعدم الصوم لأنه في رأيهم يؤدي إلى ضعف الإنسان فلا يستطيع العمل.

2 ـ التنويه، وهو تغلب قوى الخير على قوى الشر.

3 ـ تقديس العناصر الأربعة: النار، الهواء، الأرض، الماء. وهم يحرقون موتاهم ولا يدفنونهم ويلقون الأقذار في الماء، بل يضعون جثث موتاهم في أبراج مكشوفة بعيده عن العمران يطلقونها (دخمة) وتأتي عليها سباع الطير وتأكلها جيفه، وقوام الأخلاق عندهم: الفكر الطيب، والعمل الطيب، والكلم الطيب، وهم يعتقدون بالبعث والثواب والعقاب والصراط والجنة والنار وخلود الروح. وبجانب ذلك ظهرت أيام (أنوشروان) نهضة فلسفية يونانية كان لها تأثير كبير في تكوين العقلية الإيرانية والعقائد الدينية.

واتسع نطاق الحركة بين طائفة من الحكماء البيزنطيين الذين فروا من الاضطهاد المسيحي، فراجت أفكارهم بين الطبقات المثقفة وكان (أنوشروان) نفسه يجالس الحكماء ويجادلهم في مسائل فلسفية ودينية، وما كتاب (كليلة ودمنة) إلا صورة قوية عن تلك الأفكار والعقائد في زمن أنوشروان.

وقد انهارت دولة بني ساسان على يد العرب وانتشر الإسلام شيئًا فشيئا في البلاد ولم يبق من زمن الزردشتية إلا قليل عاش في ظل الإسلام مع المسلمين.

وفي العصر السلجوقي، سادت البلاد نزعة صوتية الذي اصطبغ بها الأدب الفارسي الإسلامي كما هو محسوس عند العطار والسعدي وغيرهما. وقد أصبح المذهب الرسمي للدولة أيام الصفويين، مذهب الإمامية الاثني عشرية، وكان لهذا المذهب التأثير الفعال في إيران من الناحية الأدبية بإيجاد الأدب الحزين يُعبر عمَّا آل لبيت النبي صلى الله عليه وسلم من نكبات وأحداث دامية.

وفي القرن التاسع عشر ظهر مذهب البهائية في إيران بين الطبقة المثقفة، وهي تعد أقوى مركز هذه الدعوة، ويمكن الاستدلال بأهم المذاهب في إيران:

1 ـ المذهب الشيعي، وهو مذهب الدولة الرسمي وأكثرية المسلمين.

2 ـ المذهب السني وهم أقلية.

إلى جانب الديانات اليهودية والمسيحية والبهائية. 

أما بالنسبة للأدب الحديث والذي يعنى به الأدب الفارسي الإسلامي، والذي كتب بالفارسية الحديثة المتطورة عن الأدب البهلوي القديم.

ومن أبرز خصائصها دخول بعض الكلمات والأحرف العربية، فضلا عن كلمات أخرى من يونانية ولاتينية وتركية، وكذلك أن الفرس في بداية حركتهم ونهضتهم الأدبية كانوا يحاكون شعراء العرب ويتخذون من شعرهم مشقا لهم ينسجون على منواله، كما أصبحت سمرقند وبخارى من أهم المراكز الأدبية حافلة بالأدباء والفقهاء في ذلك العصر. ومن آثار تلك الحقبة كتاب "كليلة ودمنة" وازدهار الترجمة الفارسية.

وما أن أهلَّ القرن الخامس الهجري حتى سادت إيران فترة استقرار استمرت طوال القرنين الخامس والسادس الهجريين، وفي هذه الفترة بلغ الأدب الفارسي ذروته وتعددت جوانبه وظهرت الآثار الصوفية ومن أبرز شعرائها بابا طاهر الهمداني صاحب الرباعيات المشهورة والعطار والحكيم العلم الرياضي والمنجم عمر الخيام. وما إن أهلَّ القرن السابع الهجري كانت الدولة الخوارزمية قد طلت محل السلاجقة في معظم البلاد وهددت الخلافة العباسية في بغداد خاصة بعدما بدأ زحف المغول، ولكن رقعة الدولة الخوارزمية أيام السلطان علاء الدين محمد والذي قد ملأه غرورا وعدم الاتزان وتجاهل يد المسالمة الذي قدم له جنكيزخان، وبذلك اكتسحت جحافل جنكيزخان ما صادفت في طريقها قصر السلطان محمد تاركًا مُلكه العريض في مدرجة السيل المدمر الرهيب وبذلك اختفت الدولة الخوارزمية من الوجود عام (1230/ م).

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z