د. إبراهيم بن سالم السيابي
"من منّنا معصوم ما قد يوم زل...
من منّنا واحد عمره ما عمل زلّه..."
كلمات غناها الفنان الراحل أبو بكر سالم قبل سنوات طويلة، لكنها لم تكن مجرد كلمات جميلة تتردد على الألسنة، بل كانت درسًا عميقًا في فهم الإنسان. فكلما استمعت إليها شعرت أنها لا تخاطب أذنًا تسمع، وإنما ضميرًا يراجع نفسه.
تأملت هذا السؤال البسيط: من منّنا معصوم؟ فلم أجد له إلا جوابًا واحدًا... لا أحد.
ومع ذلك، ما زلنا نعيش وكأن الخطأ لا يقع إلا من الآخرين، وكأننا وحدنا الذين نملك الحق في التبرير، بينما نحرم غيرنا من فرصة الاعتذار.
في البيت تبدأ الحكاية. يعود الأب من الخارج مرهقًا، فيرفع صوته على ابنه بسبب أمر لا يستحق كل ذلك الغضب، ثم يندم بعد دقائق. والأم قد تنشغل بأعباء الحياة فتقسو بكلمة لم تكن تقصدها، والابن قد يتصرف بطيش الشباب، والابنة قد تخطئ في تقدير موقف. ومع ذلك، حين يأتي الليل، يجلس الجميع حول مائدة واحدة، لأن الأسرة لا يحفظها غياب الأخطاء، وإنما يحفظها وجود القلوب التي تعرف كيف تسامح.
ولا تقف الأخطاء عند حدود البيت، ففي أحد المحال قد ترى رجلًا يقف عند صندوق المحاسبة، فيخطئ البائع في إعادة المبلغ، فيغضب المشتري، وترتفع الأصوات. وبعد دقائق يكتشف الجميع أن الخطأ لم يكن إلا سهوًا عابرًا من موظف وقف منذ الصباح يخدم مئات الناس. فكم من خصومة بدأت لأن أحدنا لم يمنح الآخر دقيقة واحدة ليفسر ما حدث.
وإذا خرجنا إلى الطريق، فقد ينعطف سائق أمامك دون انتباه، فتظنه مستهترًا، بينما هو يعيش همًا شغل ذهنه، أو يحمل مريضًا، أو تلقى خبرًا أقلقه. نحن لا نرى إلا الموقف، أما ظروف الناس فلا يعلمها إلا الله.
بل حتى في المسجد، قد يتأخر أحدهم عن الصلاة، أو يخطئ في قراءة آية، أو ينسى هاتفه مفتوحًا، أو يتسبب طفل في شيء من الحركة، فتتجه إليه الأنظار بنظرات اللوم، وكأن من ينظر لم ينسَ يومًا، ولم يخطئ يومًا. وما أجمل أن يكون المسجد مكانًا يتعلم فيه الإنسان الرحمة قبل أن يتعلم العتاب.
وفي العمل، لا يخلو مكتب من خطأ. ملف تأخر، أو معاملة لم تُنجز، أو رسالة أُرسلت إلى الشخص الخطأ، أو قرار لم يكن صائبًا. المدير الذي لم يخطئ يومًا، والموظف الذي لم ينسَ موعدًا، والمسؤول الذي لم يجتهد ثم يكتشف أن اجتهاده لم يكن موفقًا... هؤلاء لا وجود لهم إلا في الخيال.
المؤسسات الناجحة ليست تلك التي لا تقع فيها الأخطاء، وإنما تلك التي تحول الخطأ إلى درس، ولا تحول صاحبه إلى متهم دائم.
وفي علاقاتنا مع الأصدقاء، كم من صديق خسرناه بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب، أو رسالة فهمناها على غير معناها، أو موقف حملناه أكثر مما يحتمل. أحيانًا لا تنتهي الصداقة بسبب الخطأ، بل بسبب كبرياء منع أحد الطرفين من الاعتذار، ومنع الآخر من قبول الاعتذار.
بل حتى في وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا نصدر الأحكام بسرعة مذهلة. مقطع قصير، أو عبارة مبتورة، أو صورة بلا سياق، تكفي أحيانًا لنبني رأيًا نهائيًا عن إنسان لا نعرف عنه شيئًا. وكأننا نسينا أن لكل قصة وجهًا آخر لا يظهر على الشاشات.
لقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يكبر لأنه توقف عن الخطأ، وإنما يكبر لأنه أصبح يعترف بخطئه. فالاعتذار ليس ضعفًا، كما أن التسامح ليس تنازلًا؛ بل كلاهما دليل على نضج الانسان.
ولعل أجمل الناس ليس من لم يخطئ، فهذا لا وجود له بين البشر، وإنما من إذا أخطأ اعترف، وإذا زل عاد، وإذا قُدمت له فرصة جديدة أحسن استثمارها؛ فالقلوب العظيمة ليست تلك التي لا تُجرح، بل التي لا تجعل جراحها سببًا لتجريح الآخرين.
وفي الختام، لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الكلمات، أن نكون أكثر رحمة بالناس، وأقل استعجالًا في إصدار الأحكام. فكل إنسان يحمل قصة لا نعرفها، وكل وجه نراه قد أخفى خلف ابتسامته وجعا لم يخبر بها أحدًا، وكل قلب مرَّ بلحظة ضعف أو زلة أو ندم.
لسنا مطالبين بأن نبرر الخطأ، ولا أن نقبل الظلم، ولكننا مطالبون ألا ننسى أن الكمال لله وحده، وليس من طبيعة البشر. فمن يظن أنه لم يخطئ يومًا، فليراجع ذاكرته، ومن يظن أنه لن يخطئ غدًا، فليراجع نفسه.
ولعل الحياة، بكل ما فيها من لقاءات ووداع، وانتصارات وانكسارات، لم تُخلق لتبحث عن الإنسان الكامل، بل لتصنع الإنسان الأفضل؛ ذلك الذي إذا أخطأ اعتذر، وإذا أُخطئ في حقه عفا، وإذا حكم على الناس جعل للرحمة نصيبًا من حكمه.
ولهذا، كلما هممت أن تقسو على إنسان، أو أن تغلق بابًا في وجهه بسبب زلة، تذكر تلك الكلمات التي ما زالت تتردد منذ عقود، وكأنها كُتبت لكل زمان:
"من منّنا معصوم ما قد يوم زل..."
فلا تجعل زلة إنسان تمحو كل جميل فيه، ولا تجعل لحظة ضعف تهدم سنوات من الخير. فالناس لا يحتاجون إلى من يذكّرهم بأنهم أخطأوا، بقدر ما يحتاجون إلى من يمد لهم يدًا إذا تعثروا، ويمنحهم فرصة أخرى.
