غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان.. نحو إنتخابات أكثر شفافية

 

 

عباس المسكري

تُعد غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان من المؤسسات المهمة في دعم القطاع الخاص وتمثيل أصحاب الأعمال، ولذلك فإن تطوير آليات إنتخاب مجالس إدارتها ورؤسائها يستحق نقاشًا جادًا وهادئًا، بما يعزز الثقة ويضمن أن تكون المنافسة الإنتخابية قائمة على أسس واضحة وعادلة، خصوصًا مع التطورات الأخيرة التي شهدتها المنظومة الإنتخابية، ومنها صدور القرار الوزاري رقم ٢٦١/٢٠٢٦ الذي أضاف إلى إختصاصات لجنة الإنتخابات إعتماد أجهزة التصويت الإلكترونية ووسائل تقنية المعلومات، وإقرار نظام التصويت عن بُعد.

ومن بين الموضوعات التي تستحق الدراسة مسألة تغيير درجات تصنيف السجلات التجارية قبيل الانتخابات ، فالنظام الحالي لا يجعل الفئات المختلفة للسجلات مجرد تصنيف إداري، وإنما يرتب عليها أوزانًا تصويتية متفاوتة؛ إذ يُحتسب للعضو من الفئة الممتازة خمسة أصوات، وللفئة الأولى أربعة أصوات، وللفئة الثانية ثلاثة أصوات، وللفئة الثالثة صوتان، وللفئة الرابعة صوت واحد ، وهذا النص يجعل مسألة التصنيف ذات صلة مباشرة بالعملية الإنتخابية، ويبرر طرح تساؤلات مشروعة حول مدى الحاجة إلى ضوابط تضمن إستقرار التصنيف خلال الفترة السابقة للإنتخابات.

وهنا يبرز تساؤل مشروع ،،، هل من الأفضل وضع ضوابط تمنع إجراء تغييرات متكررة أو مؤقتة في تصنيف السجل التجاري خلال فترة قصيرة تسبق الإنتخابات، إذا كان من شأن ذلك التأثير في عدد الأصوات أو في طبيعة المشاركة الإنتخابية؟ فالمقصود هنا ليس تقييد حق أي منشأة في تعديل وضعها أو تصنيفها متى أستوفت المتطلبات النظامية، وإنما التفكير في قاعدة إنتخابية تحقق الإستقرار، وتضمن أن يكون الوزن التصويتي قائمًا على وضع تجاري مستقر وواضح قبل موعد الإنتخابات.

ومن المقترحات التي يمكن دراستها أن السجل الذي يتم تعديل درجته قبل الإنتخابات بفترة زمنية محددة لا يُحتسب تصنيفه الجديد لأغراض التصويت إلا بعد مرور مدة كافية، كأن تكون سنتين، أو وفق مدة تحددها الجهة المنظمة ، والهدف من ذلك تحقيق قدر أكبر من الإستقرار، بحيث يكون الوزن التصويتي مرتبطًا بتصنيف مستقر لفترة زمنية معقولة، مع الإبقاء على حق المنشأة في تعديل تصنيفها وفق الإجراءات النظامية، على أن يكون الأثر الإنتخابي للتعديل مرتبطًا بمدة زمنية واضحة ومعلنة للجميع.

ولا تكتمل منظومة الشفافية الإنتخابية بمعزل عن الشفافية في إدارة موارد غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان؛ فالثقة التي يبحث عنها أصحاب الأعمال في العملية إلانتخابية ينبغي أن تمتد كذلك إلى معرفة كيفية توجيه موارد الغرفة، ومدى انعكاسها على القطاع الخاص والمجتمع ، ومن هذا المنطلق، فإن نشر البيانات المالية بصورة واضحة ودورية، وإيضاح أوجه الإنفاق والمصروفات المرتبطة بالمهمات الرسمية والسفر والوفود، يمكن أن يشكل ممارسة مؤسسية تعزز الإطلاع والثقة في أداء الغرفة، وتمنح أصحاب الأعمال صورة أكثر وضوحًا عن مسارات الإنفاق والبرامج والمبادرات التي تضطلع بها المؤسسة.

ومن هنا يمكن طرح مقترح بدراسة تخصيص نسبة محددة، كـ٢٠٪ من صافي الإيرادات، أو نسبة يحددها النظام واللوائح، لبرامج المسؤولية المجتمعية والتنمية المحلية، بما يشمل دعم المبادرات المجتمعية، والمجالس العامة ، وبرامج تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، والمشروعات التنموية ذات الأثر المحلي ، ولا يعني ذلك تحويل الغرفة إلى مؤسسة خيرية، وإنما تعزيز حضورها كمؤسسة تمثل القطاع الخاص، ولها دور إقتصادي وإجتماعي يمكن أن يمتد أثره إلى مختلف المحافظات، على أن يصاحب ذلك نشر تقارير سنوية واضحة تبين حجم المخصصات وأوجه إنفاقها والنتائج المتحققة منها.

ومن القضايا التي تستحق كذلك النقاش تجديد القيادات وإتاحة الفرصة للكفاءات الجديدة، فمن الطبيعي أن يستفيد العمل المؤسسي من خبرات الأشخاص الذين خدموا في مواقع المسؤولية، إلا أن التداول في المواقع القيادية يظل عنصرًا مهمًا في حيوية المؤسسات وإستمرار تطورها ، وفي هذا السياق، فإن النظام الحالي يضع بالفعل حدًا لرئاسة المجلس، إذ لا يجوز الترشح لرئاسة المجلس لأكثر من دورتين متتاليتين لا تفصل بينهما دورة واحدة ؛ وهي قاعدة يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة مهمة في تعزيز التداول، مع إمكانية بحث مدى الحاجة إلى تطوير فلسفة مماثلة في بعض المواقع القيادية الأخرى، بما يحقق التوازن بين الإستفادة من الخبرة المتراكمة وإتاحة المجال أمام كفاءات وأفكار جديدة.

كما أن من المفيد أن تكون هناك قواعد واضحة بشأن المزايا والمهمات والسفر والوفود المرتبطة بالعمل المؤسسي، مع الإفصاح السنوي عن المصروفات المتعلقة بها، باعتبار ذلك ممارسة مؤسسية تعزز الوضوح والاطلاع، وتؤكد أن مختلف أوجه العمل المرتبطة بتمثيل القطاع الخاص تخضع لقواعد واضحة ومعايير معلنة، بما يعزز الثقة ويكرس ثقافة الإفصاح في المؤسسات الاقتصادية.

إن تطوير العمل المؤسسي يبدأ دائمًا من تطوير القواعد والآليات التي تنظمه، بما يعزز الشفافية وتكافؤ الفرص، ويفتح المجال أمام الكفاءات والأفكار الجديدة، ويواكب تطور القطاع الخاص ودوره المتنامي في مسيرة التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز منظومة الإنتخابات والعمل المؤسسي في غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان من شأنه أن يرسخ الثقة لدى أصحاب الأعمال، ويمنح الكفاءات مزيدًا من الفرص للمشاركة، ويدعم حضور الغرفة بوصفها بيتًا جامعًا لمصالح القطاع الخاص وشريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z