هل أصبح إنتاج الأرز العالمي على حافة الخطر؟

حذرت دراسة علمية حديثة من أن ارتفاع درجات الحرارة، ولا سيما تجاوزها 30 درجة مئوية خلال المراحل الحساسة من دورة حياة نبات الأرز، قد يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الإنتاج العالمي، في تهديد مباشر لمحصول يعد الغذاء الرئيسي لأكثر من نصف سكان العالم.

وخلصت الدراسة، التي نشرت في 29 يوليو/تموز 2026 في مجلة Science Advances، إلى أن تأثير الاحترار على الأرز قد يكون أكبر مما تقدره النماذج المناخية والزراعية المستخدمة حاليا، بعدما أظهرت تجارب ميدانية أن عدد أيام التعرض للحرارة المرتفعة وتوقيت حدوثها عاملان لا يقلان أهمية عن ارتفاع متوسط درجات الحرارة خلال الموسم الزراعي.

وبحسب نتائج الدراسة، فإن تعرض محصول الأرز ليوم إضافي بدرجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية خلال مرحلة التكاثر يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الإنتاج يتراوح بنحو 1.1% إلى 1.8%.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن مرحلة التكاثر تعد من أكثر مراحل حياة النبات حساسية للإجهاد الحراري، إذ تبدأ خلالها عملية تكوين السنابل والحبوب، ويصبح النبات أكثر اعتمادا على كفاءة توزيع المواد الغذائية التي ينتجها.

وقال فينغ جو، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ الجيوكيمياء الحيوية في جامعة بكين، إن فريق البحث انطلق من تساؤل أساسي حول أسباب اختلاف تقديرات خسائر محصول الأرز بين الدراسات السابقة، رغم اعتمادها جميعا على سيناريوهات الاحترار المناخي.

وللإجابة عن ذلك، جمع الباحثون قاعدة بيانات واسعة ضمت 214 مقارنة بين حقول زُرع فيها الأرز في ظروف طبيعية وأخرى تعرضت لدرجات حرارة أعلى، إلى جانب تجارب ميدانية أجراها الفريق في 12 موقعا ضمن مناطق رئيسية لزراعة الأرز في الصين.

وأظهرت النتائج أن حساسية الأرز للحرارة تختلف بصورة كبيرة وفقا للمرحلة التي يتعرض فيها النبات للإجهاد الحراري.

فخلال مرحلة النمو الخضري، عندما يركز النبات على تكوين الأوراق والسيقان وزيادة كتلته الحيوية، يمكن أن تؤدي الحرارة المرتفعة إلى إضعاف نمو النبات وتقليل قدرته على بناء الكتلة اللازمة لإنتاج محصول جيد.

لكن التأثير يصبح أكثر خطورة خلال مرحلة التكاثر، إذ يمكن للحرارة الشديدة أن تعرقل عملية تكوين الحبوب وتخفض قدرة النبات على تحويل المواد التي ينتجها إلى محصول قابل للحصاد.

وبعبارة أخرى، قد يبدو نبات الأرز أخضر وقويا من الخارج، لكنه في الوقت نفسه قد يفشل في تكوين العدد الكافي من الحبوب أو في ملئها بالشكل المطلوب.

ويرتبط ذلك، وفقا للباحثين، بانخفاض معدل عقد البذور واضطراب حركة الكربون والنيتروجين داخل النبات، وهو ما ينعكس في النهاية على كمية الحبوب المنتجة.

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن عددا من النماذج المستخدمة عالميا لتقدير تأثير تغير المناخ على المحاصيل الزراعية قد يكون قلل من حساسية الأرز للحرارة الشديدة.

وأظهرت التجارب الميدانية خسائر في الإنتاج أكبر مما تفترضه بعض النماذج، ما دفع الباحثين إلى إعادة ضبط التقديرات وفقا للبيانات التجريبية.

وبعد تصحيح ما وصفه الباحثون بالانحياز في النماذج، قدروا أن ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار درجة مئوية واحدة قد يؤدي إلى انخفاض محصول الأرز العالمي بنحو 8.1%، مقارنة بنحو 3.8% في التقديرات غير المصححة.

ويعني ذلك أن الخسائر المحتملة قد تكون أكثر من ضعف بعض التقديرات السابقة، إذا لم تؤخذ الحساسية الحقيقية للأرز تجاه موجات الحرارة في الاعتبار.

وتتركز المخاطر الأكبر في مناطق جنوب وجنوب شرق آسيا، وهي مناطق تعتمد بصورة كبيرة على الأرز كمحصول غذائي واقتصادي رئيسي.

ووفقا للدراسة، ارتفعت تقديرات الخسائر في باكستان والهند وبنغلاديش إلى نحو 6.6%، بينما وصلت في تايلند والفلبين وميانمار إلى نحو 7.7% عند تصحيح تأثير الحرارة في النماذج.

أما الصين واليابان، فقد ظهرتا أقل تأثرا بهذا النوع من الانحياز، مع تسجيل زيادات أصغر في تقديرات الخسائر.

ولا تعني هذه الأرقام أن كل مزارع أو منطقة ستشهد بالضرورة انخفاضا مماثلا، إذ تختلف النتائج باختلاف الأصناف المزروعة، ونظم الري، وخصائص التربة، وموعد الزراعة، وشدة موجات الحر وتوقيتها.

لكنها تكشف، في المقابل، أن المخاطر التي تواجه المناطق المنتجة للأرز قد تكون أكبر مما تظهره التقديرات المناخية التقليدية.

ويشير الباحثون إلى أن المشكلة الأكثر تعقيدا تتمثل في أن الضرر الناتج عن الحرارة لا يعتمد فقط على متوسط درجة الحرارة خلال الموسم.

فقد تكون موجة حر قصيرة، إذا تزامنت مع مرحلة تكوين الحبوب، أكثر ضررا من ارتفاع حراري أطول وأقل شدة يحدث في مرحلة أخرى من دورة حياة النبات.

وهذا يجعل توقيت موجات الحر عاملا حاسما في تحديد حجم الخسائر المستقبلية، خصوصا مع ازدياد تواتر موجات الحرارة الشديدة في العديد من المناطق الزراعية حول العالم.

كما أن ارتفاع الحرارة قد يتزامن مع نقص المياه، ما يضاعف الضغط على النبات، ولا سيما في المناطق التي تعتمد على الأمطار بدلا من الري المنتظم.

ولا تقتصر أهمية تراجع إنتاج الأرز على القطاع الزراعي وحده، إذ يمكن أن تمتد آثاره إلى أسعار الغذاء والتجارة العالمية والأمن الغذائي.

ويعتمد مليارات الأشخاص على الأرز بوصفه مصدرا أساسيا للسعرات الحرارية، بينما تمثل آسيا الجزء الأكبر من الإنتاج والاستهلاك العالميين. ولذلك فإن أي تراجع كبير ومستمر في الإنتاج يمكن أن يزيد الضغط على الأسواق، خصوصا إذا تزامن مع ارتفاع الطلب أو تضرر محاصيل أخرى بسبب الظروف المناخية نفسها.

كما يمكن أن تدفع خسائر الإنتاج بعض الدول المنتجة إلى تشديد قيود التصدير لحماية أسواقها المحلية، وهو ما قد ينعكس على الدول المستوردة ويرفع تقلبات الأسعار العالمية.

ورغم قتامة السيناريوهات التي تطرحها الدراسة، يؤكد الباحثون أن الخطر ليس حتميا، إذ توجد مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تساعد في الحد من تأثير الاحترار.

ومن أبرز الحلول المطروحة تطوير أصناف أرز أكثر تحملا للحرارة، إلى جانب تحسين إدارة المياه والري، واختيار مواعيد زراعة تتجنب تزامن مرحلة التكاثر مع ذروة موجات الحر.

كما يمكن أن تسهم إدارة التربة بصورة أفضل في تعزيز قدرة النبات على مواجهة الإجهاد الحراري، في حين قد يساعد توفر المياه بصورة كافية على تبريد النبات وتقليل بعض آثار ارتفاع درجات الحرارة.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية متزايدة مع استمرار تغير المناخ وارتفاع احتمال تعرض المناطق الزراعية لموجات حر أكثر تكرارا وشدة.

ورغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى عدد من القيود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسيرها.

فمعظم التجارب اعتمدت على حقول مروية، في حين قد تكون حقول الأرز التي تعتمد على مياه الأمطار أكثر هشاشة أمام ارتفاع الحرارة، بسبب اجتماع الإجهاد الحراري مع نقص المياه.

كما استخدمت التقديرات العالمية درجة حرارة الهواء مؤشرا رئيسيا، في حين قد تختلف درجة الحرارة الفعلية التي يتعرض لها النبات، إذ يمكن للمياه المتوفرة في الحقول أن تؤدي إلى تبريد النبات وتخفيف بعض آثار الحرارة.

إضافة إلى ذلك، لا تغطي التجارب جميع أصناف الأرز المستخدمة حول العالم، ولا جميع أنظمة الزراعة والإدارة الزراعية.

ومع ذلك، يرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن في إظهار أن عدد أيام الحرارة الشديدة وتوقيتها خلال مراحل نمو الأرز قد يكونان عاملا رئيسيا في تحديد حجم الخسائر المستقبلية، وأن تجاهل هذه التفاصيل قد يؤدي إلى التقليل من حجم المخاطر التي يفرضها تغير المناخ على أحد أهم المحاصيل الغذائية في العالم.

وفي ظل توقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميا، تتحول حماية إنتاج الأرز من قضية زراعية محلية إلى تحد عالمي يرتبط مباشرة بمستقبل الأمن الغذائي واستقرار أسواق الغذاء.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z