ناصر بن حمد العبري
تتسارع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتتعاظم فيه التحديات العابرة للحدود، فبرزت الحاجة إلى نموذج جديد للحوكمة العالمية يقوم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول وتحقيق التنمية المشتركة. وفي هذا السياق، يبرز الفكر الذي يتبناه الرئيس الصيني شي جين بينغ باعتباره رؤية متكاملة تسعى إلى بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، وهي رؤية انعكست بوضوح في الكتاب الأبيض الصادر عن الحكومة الصينية بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها".
لا ينظر هذا الكتاب الأبيض إلى الحوكمة العالمية باعتبارها مجرد آليات لإدارة الخلافات، بل يقدمها مسارًا استراتيجيًا لتحقيق السلام الدائم والتنمية المستدامة والازدهار المشترك. فالرؤية الصينية تنطلق من قناعة راسخة بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر سباقات التسلح أو سياسة المحاور، وإنما من خلال التنمية والحوار والتعاون واحترام خصوصية كل دولة واختيارات شعوبها.
لقد أكد الرئيس الصيني، في أكثر من مناسبة، أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات، بل إلى بناء جسور الثقة وتعزيز الشراكات التي تحقق المنفعة المتبادلة. ومن هنا جاءت مبادرات الصين العالمية، وفي مقدمتها مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، لتشكل منظومة متكاملة تهدف إلى ترسيخ السلام والاستقرار، وإيجاد حلول عملية للتحديات التي تواجه المجتمع الدولي.
ويؤكد الكتاب الأبيض أن الحوكمة العالمية يجب أن تقوم على مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة بين الدول، بعيدًا عن سياسة الهيمنة أو فرض الإرادة بالقوة. كما يدعو إلى احترام ميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز دور المؤسسات الدولية، وتوسيع مشاركة الدول النامية في صناعة القرار الدولي، بما يعكس التغيرات التي يشهدها العالم اليوم.
ولعل ما يميز هذه الرؤية أنها تربط بين السلام والتنمية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة؛ فحيثما تتوفر فرص التنمية، تتراجع أسباب الصراع، وحيث يسود التعاون الاقتصادي، تزداد فرص الاستقرار. ولهذا تواصل الصين دعم مشروعات البنية الأساسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع مختلف الدول، إيمانًا منها بأن التنمية هي الطريق الأقصر إلى السلام.
وفي منطقة الشرق الأوسط، التي عانت لعقود من الحروب والأزمات، تكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة، إذ تحتاج المنطقة إلى مبادرات تشجع الحوار، وتدعم التنمية، وتبتعد عن الاستقطابات التي لا تجلب سوى مزيد من التوتر. ومن هنا، فإن الدعوات الصينية إلى الحلول السياسية والتفاوض السلمي تمثل إسهامًا مهمًا في دعم الأمن الإقليمي والدولي.
إن الكتاب الأبيض ليس مجرد وثيقة سياسية، بل هو رسالة تؤكد أن مستقبل العالم يجب أن يُبنى على الشراكة لا المواجهة، وعلى التعاون لا الصراع، وعلى التنمية لا التنافس المدمر. وهي رؤية تتناغم مع تطلعات الشعوب الباحثة عن الأمن والاستقرار والازدهار، وتؤكد أن الحوكمة الرشيدة، عندما ترتكز على العدالة والاحترام المتبادل، تصبح بالفعل أحد أهم منابع السلام في العالم.
