د. محمود البلوشي
سُمِّيت بالمحروسة وأم الدنيا، حيث يعود سبب تسميتها بأم الدنيا لأن مصر كانت الملاذ لكل من يريد الأمن والأمان والاستقرار ولم يجده في وطنه، وسُمِّيت بالمحروسة بعد أن تم تدشين قلعة صلاح الدين الأيوبي، حيث لم يستطع أحد اختراق مصر من هذه المنطقة أبدًا، وكان الغزاة يدخلون من أماكن بعيدة عنها، وهي إلى اليوم محروسة. وقد ذُكر اسم مصر في القرآن الكريم أربع مرات، أما بعد البحث والتأمل في القرآن، فسنجد أن إجمالي عدد المرات التي ذُكرت فيها مصر باستخدام الضمائر وخلافه قد بلغ 80 مرة، حسب المصدر من الأزهر الشريف.
وتاريخيًا وحضاريًا، فإن مصر لها العديد من المسميات التاريخية، مثل: (الأرضين، الأرض السوداء، الأرض الحمراء، الضفتان، مصر السفلى)، ولن نخوض تفصيلًا في مسميات أرض الفراعنة؛ لأنها بحاجة إلى بحوث ومجلدات، فهي حضارة عريقة ومن أقدم حضارات العالم، ولا كلماتي أو مقالي سيوفيها حقها، ولكنني حزنت حزنًا شديدًا على الأحداث السياسية الأخيرة التي حدثت بمصر، كون أنني من أبناء مصر، عشت فيها وزرتها منذ عام 1987، واستمرت زياراتي لها دون انقطاع إلى اليوم، وأنا خريج الجامعة العريقة -جامعة القاهرة- ومن سكان منطقة بين السرايات، وفيصل، والمهندسين، والدقي، فحبي وعشقي لمصر لا يوصف.
وما حدث في دمياط حدثٌ عابر بالنسبة لرئاسة الجمهورية المصرية، وبالنسبة للجيش المصري العظيم، والقوات المسلحة، والشعب المصري العاشق والمحب لتراب مصر. ولطالما أفادت التحقيقات الأولية والتصريحات لمجلس الوزراء بأنه لا توجد إصابات بشرية، بالتالي فإن رئاسة الجمهورية قادرة على التعامل مع الهجوم الذي استهدف ميناء دمياط، الذي كان سببه طائرة مسيرة مجهولة المصدر استهدفت سفينة تجارية محملة بشحنة غاز هائلة، فمصر تمتلك جيشًا عظيمًا مصنفًا الأول عربيًا، والتاسع عشر عالميًا، وجهاز مخابرات عالميًا خطيرًا. يبقى الآن الالتزام والهدوء في رئاسة الجمهورية المصرية مؤقتًا، فمصر من المستحيل أن تترك الموضوع يمر مرور الكرام، لأن تهديد الأمن المصري يعني تهديد أمن العرب جميعًا، فهي الدرع الحصين لكافة الدول العربية.
ولكن لماذا دمياط؟ دمياط هي أهم الثغور المصرية وأعظمها تجارة في عهد محمد علي باشا عام 1805، وكانت المستودع الكبير للأصناف، مثل الأرز، وبها العديد من الترع والجسور، وبها مصنع الغزل والنسيج، وتحتل دمياط مكانة اقتصادية وتجارية واستراتيجية كبرى في مصر بفضل ميناء دمياط العالمي، وصناعة الأثاث الشهيرة، وموقعها الساحلي المتميز، والميناء التجاري الذي يلعب دورًا رئيسيًا في حركة الصادرات والواردات، وحصدت شركة دمياط لتداول الحاويات مراكز متقدمة عالميًا في أداء موانئ الحاويات.
أما في جانب تصدير الطاقة، فإن الميناء يحتضن إحدى محطتي تصدير الغاز الطبيعي المسال في مصر، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 5 ملايين طن سنويًا. وفي جانب الأمن الغذائي، فميناء دمياط يُعد حلقة وصل رئيسة لاستقبال السلع الأساسية والحبوب وتخزينها في صوامع الغلال، وتشتهر دمياط بكونها مركزًا إقليميًا ومحليًا لصناعة الأثاث الخشبي، وتضم مدينة دمياط مصانع للأثاث في منطقة شطا، المقامة على مساحة واسعة لدعم هذه الصناعة وتطويرها.
أما عن الخدمات البحرية، فتتميز بوجود ورش تصليح وصناعة اليخوت والقوارب السياحية. أما عن الاستثمار والإنتاج الزراعي، فإنها تشتهر بكثرة أشجار النخيل ومزارع الجوافة، وتصدر ملايين أشجار النخيل خارجيًا، فضلًا عن إنتاج القمح والأرز والبطاطس، وبها منطقة حرة تستقطب العديد من الاستثمارات والمشروعات.
لكل ما تم ذكره وطرحه، استُهدفت دمياط، أو لأسباب أخرى لا نعرفها، ونسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصر قيادةً وشعبًا، وتبقى كما هي الملاذ والأمن لدول الوطن العربي.
