غُبّة البحر وفيض المُداراة
حمد الناصري
يكتشف الباحث الأريب عبر سبر نواميس الوجود، أنّ المادة الصامتة لا تنقاد للإنسان بالقهر والصلف، بل تنفتح مغاليقها بالرفق والمداراة؛ فالكون كله شبكة حية تتأثر بالنيّات الوجدانية وتستجيب لدفء الضمير البشري المُستخلف. وعندما يظن المرء أنه قادر على إخضاع هياكل الحديد بقوة عضلاته أو ضيق نفسه، يرتد إليه جمادها عِناداً صَلباً يضعه أمام عجز مادي قاهر، ليثبت له الناموس الكوني أنّ القيمة الإنسانية والمواساة الفطرية هما المفتاح الحقيقي لتسيير عصب الحياة وتطويع الصخر والبحر.
وهذا الانقياد الفطري للمادة هو ما يؤكده السند النبوي الشريف في الناموس الأخلاقي للوجود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ"؛ فالرفق هو القناة الميتافيزيقية التي تلين لها صلابة الوجود. ونعني بـ"الميتافيزيقا" هنا: "ذلك الرابط الروحي الخفي الذي يتجاوز الآلية الجافة للمادة"؛ ليفهم القارئ أن وعي الإنسان وعاطفته يملكان تأثيراً غير مرئي يتغلغل في ذرات الجماد، فيحيل عناده طاعة، ويجعل الصخر والبحر ينصاعان لدفء النوايا البشرية؛ ذلك هو "حِسّ التناغم" بين الآلة الجماد والحسّ الآدمي المستخلف.
ويتجلى هذا التدفق القدري بوضوح في حكاية بحارٍ عُماني صَلَف ذات يوم على ماكينة قاربِهِ وهو في عُمق اليم، حيث تلاطم الموج في بُقعة سحيقة يُطلق عليها محلياً "غُبّة بحر". وحاول البحار بِجُهد جَهِيد ونفسٍ ضيّقة أن يستنطق عصَب الماكينة لتشتغل، لكن الجماد ركب رأسه وعانده، فلم يجد إلى تشغيلها سبيلاً، وبات وحيداً وسط غياهب الماء المتلاطم. وفي تلك اللحظة الحرجة من انقطاع الحيَل البشرية، التقى بزملاء له بحارة من منطقة مجاورة؛ ولم يكن أمامهم بدّ بموجب المروءة الفطرية الراسخة إلا أنْ يُنْجِدُوه، فقاموا بسحب قاربه المُعَطّل بعد أن ساق لهم القدَر حبْلاً طويلاً وضخماً كان في صَدر قاربهم تم ربطه بين القاربين. وأبلغوه بوعي حذر أنهم سيسيرون برفق ورويداً، وطلبوا منه أن يُمسك بالمجداف لمداراة حركة القارب حتى لا يشطح يميناً أو شمالاً في غِمار السّحب. وهنا تبرز حكمة الفيلسوف الصيني "لاوتسو" (Laozi) في تفسير هذا التناغم مع الطبيعة حين قال: "لا شيء في العالم أكثر ليونة وانعطافاً من الماء، ومع ذلك، فإن الأشياء الصلبة لا يمكنها تفوقه، فاللين يقهر الصلب, واللطيف يقهر العنيف"؛ إذن، لم يعدِ الحبل والمجداف أدوات صمّاء، بل شرايين وجدانية تنقل الوعي والمداراة لِغُبّة البحر.
ورغم عِلم هؤلاء البحارة الأخْيار أنّ الإنقاذ سيؤخرهم عن سوق السمك، إلا أنّ المروءة وإغاثة الملهوف كانتا فوق كل كسب مادي؛ فالإنسان في عقيدتهم أثمن من كل بضاعة. ولكي يتفادوا مزيداً من التأخير، سَحبوه مُباشرة دون معالجة الماكينة، وساروا رويدًا إلى شاطئ السوق. وهناك تبدّت المفاجأة مأساوية في ظاهرها بفرار الصيادين لانتهاء وقت الذروة، لكن يقين البحارة ظل ثابتاً بأنّ نجدة أخيهم هي أعظم صَيد. وفجأة، انفتحت بوابات الفيض القدري؛ إذ انبرى لهم رجل زائر من دولة شقيقة، لم يجد في السوق ما يروق له، فلما رأى صيدهم اشتراه بالكامل بثمن مضاعف تجاوز كل حد مألوف. وعندما راجعه البحارة بأمانة، أجابهم بوعي حكيم: "أعلم ذلك، وهذا الفضل من عند ربّي لأنكم فعلتم الخير مع أخيكم وأنا أفعله معكم"، مستشهداً بالآية المحكمة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
وبعد هذه النفحة الروحية التي طَهّرت الفضاء من طاقة الصلف، توجّه البحارة إلى القارب المُعَطّل، وصَعد أحدهم برفق ومُداراة، وفي برهة خاطفة سَحب خيط التشغيل، فاشتغلت الماكينة فوراً وهدر محركها طائعاً وسط ذهول البحارة! ولأنّ البحار المُنْقَذ لم يصطد في يومه، فقد قاسموه ثمن رزقهم بقلوب راضية مُطمئنة.
هذا الانصياع الفجائي للحديد يترجم أطروحة الفيلسوف الفرنسي "غاستون باشلار" في أثره "الماء والأحلام: دراسة عن الخيال والمادة" الصادر عام 1942م، بترجمة د. علي نجيب إبراهيم؛ وباشلار هنا لا يُقدم سردًا عاطفيًا، بل يؤسس لتنظير جدلي صارم يُعرف بـ"الخيال المادي"، مجادلاً بأن المادة ليست جثة هامدة أو كتلًا صمّاء، بل هي مستودع لطاقة حيوية كامنة. وبناءً على هذا المنظور الفلسفي، فإنّ تطويع الآلة لا يتأتى بالقسر الميكانيكي، وإنما عبر حوار وجودي يوقظ حسّها الخفي، ليتحقق "حِس التناغم" الذكي والاندماج الكامل بين بُنية الآلة الجماد وبين وعي الحِس الآدمي المستخلف. وأثبتت هذه الملحمة البحرية أن النبض الفِطري المُستخلف سيبقى دائماً هو الطاقة المدبرة والقيمة الإنسانية الأزلية التي تجعل المادة أصلاً ثابتاً تفيض بانقيادها الطوعي إلى من يُحركها عن بصيرة.
خُلاصة القول: إنّ عِناد الماكينة في "غُبّة البحر" كان امتحاناً للروابط الوجدانية؛ حيث استجاب الحديد الصامت عندما تلاقت مُداراة المجداف مع النفوس البشرية المعطاءة، مستنطقةً حِس المادة بوحي التدبير الأريب. هذا المشهد يُبرهن صحة "فلسفة حِس الجماد الواقعية المعيشية" وتأصيلها المعرفي الحاسم في هذا السياق؛ لتغلق الأبواب بيقين قاطع بأن السيادة حَكر مصون لطينة الإنسان ونفخته الروحية المودعة بالأسرار والمعجزات الإلهية الخالدة.
*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.
