د. سالم حسن الشنفري
تشهد سلطنة عُمان حراكًا تنمويًا متسارعًا يعكس رؤية طموحة لبناء مستقبل أكثر استدامة في كنف العهد الزاهر الميمون، حيث تمضي الحكومة، من خلال الجهات المعنية، في تنفيذ مشروعات استراتيجية شملت تطوير شبكات الطرق، والتوسع في مشروعات الإسكان والتنمية العمرانية، والارتقاء بالخدمات البلدية، وتعزيز المقومات السياحية، إلى جانب الاستثمار في البنية الأساسية الداعمة للنمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة. وقد أحدثت هذه الجهود تحولًا ملموسًا في مختلف المحافظات، غير أن نجاح التنمية يفرز بطبيعته احتياجات جديدة، ويفرض تطوير أدوات التخطيط الحضري بما يستوعب النمو المتسارع، ويستشرف متطلبات العقود المقبلة.
وفي هذا السياق، فإن الازدحام المروري في مسقط لم يعد مجرد تحدٍّ يومي يواجه السكان فحسب، بل أصبح مؤشرًا على مرحلة جديدة من التحول الحضري تستدعي مراجعة جادة لخيارات التخطيط العمراني والتنمية المكانية. فالعاصمة مسقط، بوصفها القلب السياسي والإداري والاقتصادي النابض للسلطنة، تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تمركز المؤسسات الحكومية والأنشطة الاقتصادية والخدمية في نطاق جغرافي تحدّه تضاريس استثنائية بين البحر والجبال، مما قلّص فرص التوسع العمراني التقليدي، ورفع كلفة الحركة اليومية، وزاد الضغط على الطرق والمرافق العامة.
وتتعاظم هذه الضغوط مع استمرار النمو السكاني والعمراني، وارتفاع الطلب على التنقل والخدمات. وتكشف التقارير الخاصة بأعداد المركبات المسجلة حجم هذا التحدي؛ إذ بلغ عددها نحو 1.8 مليون مركبة بنهاية ديسمبر 2025، وهو رقم يعكس اتساع الاعتماد على النقل الخاص، ويؤكد أن توسعة الطرق، على أهميتها، لن تكون كافية ما لم تقترن بسياسات تعيد توزيع الأنشطة، وتوفر بدائل نقل فعالة، وتحد من الحاجة إلى الرحلات اليومية الطويلة.
فالازدحام لا يقتصر أثره على زيادة زمن الرحلة، بل تترتب عليه كلفة اقتصادية واجتماعية وبيئية متنامية؛ إذ يهدر ساعات العمل، ويرفع استهلاك الوقود، ويزيد الانبعاثات، ويؤثر في إنتاجية الأفراد وراحتهم وجودة حياتهم، كما ينعكس أثره على كفاءة الأعمال وجاذبية المدن للاستثمار. ومن ثم، ينبغي الانتقال من إدارة الازدحام بعد وقوعه إلى التخطيط الاستباقي الذي يعالج أسبابه قبل أن تتسع آثاره ويمنع تفاقمها.
وتشير خبرات التخطيط الحضري إلى أن المدن القادرة على استيعاب النمو لا تعتمد على إضافة الطرق وحدها، وإنما تتبنى سياسات متكاملة تقوم على تعدد المراكز العمرانية، وإعادة توزيع الوظائف الحكومية والاقتصادية، وتطوير النقل العام، وتقريب الخدمات من التجمعات السكنية. أما توسيع الطرق، من دون معالجة تركز الوظائف والخدمات، فقد يوفر انفراجًا مؤقتًا، لكنه قد يشجع، في المقابل، على مزيد من استخدام المركبات الخاصة، لتعود المشكلة بصورة أشد بعد سنوات قليلة.
ولا تنفصل قضية الحركة المرورية عن قدرة المدن على مواجهة تغيرات الأنواء المناخية، فقد أظهرت الحالات المدارية والأمطار الغزيرة، خلال السنوات الأخيرة، الحاجة إلى رفع كفاءة شبكات التصريف، وحماية الطرق والمساكن والمنشآت من تجمع المياه، وإدماج المرونة المناخية في تصميم الأحياء والمرافق. فالمدينة الحديثة لا تُقاس فقط بسهولة التنقل في الظروف الطبيعية، بل بقدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها في الظروف الاستثنائية.
ومن هذا المنطلق، تحتاج معالجة تحديات مسقط إلى مسارين متكاملين:
أولهما قصير ومتوسط المدى، ويستهدف رفع كفاءة المدينة القائمة، من خلال إعادة هندسة الحركة في المحاور الرئيسة، وتطوير التقاطعات المزدحمة بجسور وأنفاق ومسارات علوية باتجاه واحد، على غرار ما طبقته بعض المدن الآسيوية، شريطة أن تثبت الدراسات الفنية والاقتصادية جدواها، مع فصل الحركة العابرة عن المحلية، واستخدام الأنظمة الذكية لإدارة الإشارات والتدفقات المرورية.
ويتكامل ذلك مع التوسع في العمل المرن، والاجتماعات الافتراضية، والخدمات الحكومية الرقمية، بحيث لا يضطر المواطن أو المقيم إلى التنقل من أجل معاملة يمكن إنجازها عن بُعد. كما يمكن تطوير مواقف «اركن وتنقل» عند مداخل العاصمة، وربطها بقطارات هوائية، وحافلات سريعة ومنتظمة ذات مسارات مستقلة، إلى جانب تحسين معابر المشاة، والنقل العام في المناطق ذات الكثافة السكانية والوظيفية المرتفعة.
أما المسار الثاني، وهو الأبعد أثرًا، فيرتبط بإعادة النظر في توزيع الثقل الإداري والاقتصادي داخل السلطنة؛ فاستمرار تركز غالبية المؤسسات والخدمات الرئيسة في مسقط يعني استمرار تدفق السكان والمركبات إليها، مهما توسعت الطرق. ومن هنا تبرز أهمية دراسة إنشاء مركز إداري مستقبلي في موقع تحدده معايير فنية، واقتصادية، وبيئية دقيقة، يُنقل إليه تدريجيًا جزء من الوزارات والهيئات والمؤسسات الخدمية والمالية.
ولا تعني هذه الفكرة نقل العاصمة السياسية، أو المساس بمكانة مسقط التاريخية والوطنية، وإنما تخفيف الضغط عنها، وخلق قطب تنموي جديد يعزز التوازن المكاني. ويمكن أن يُصمم هذا المركز بوصفه مدينة للمستقبل، تعتمد على النقل العام والطاقة النظيفة، وتوفر السكن والخدمات بالقرب من أماكن العمل، وتضم شبكة طرق حلقية، ومحاور شعاعية متعددة، وأنظمة متطورة لتصريف المياه وإدارة الموارد، مما يمنع تكرار المشكلات التي تعانيها المدن بعد اكتمال نموها.
ولا يقتصر هذا التحدي على مسقط وحدها، فمدينة صلالة تقدم نموذجًا مغايرًا يرتبط بالنجاح السياحي الموسمي، فقد استقبل موسم خريف ظفار نحو 1.048 مليون زائر في عام 2024، ثم واصل نموه ليسجل رقمًا قياسيًا تجاوز 1.07 مليون زائر في موسم 2025، وفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. ويعكس هذا النمو المتواصل المكانة المتصاعدة لظفار كوجهة سياحية إقليمية، لكنه، في الوقت ذاته، يضع شبكات الطرق، والمرافق العامة، والخدمات البلدية، والصحية أمام ضغوط تشغيلية استثنائية خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي يستدعي تخطيطًا استباقيًا يواكب هذا التوسع ويضمن استدامة جودة الخدمات.
وبناءً عليه، فإن الحفاظ على استدامة هذا النجاح يتطلب التخطيط وفق أحمال الذروة، لا وفق متوسط الاستخدام السنوي فقط. وقد يكون من المناسب دراسة تطوير التقاطعات الرئيسة في صلالة عبر التوسع في الجسور، والأنفاق المتعددة المستويات، على غرار تقاطع جسر إتين، وإيجاد مسار جديد آخر للشاحنات، وإنشاء طريق دائري بمحاذاة سفوح جبال ظفار يربط المداخل والمحاور الخارجية، ويستوعب الحركة العابرة بعيدًا عن قلب المدينة، فضلًا عن تحسين إدارة الحركة خلال الموسم، وتوسيع خدمات النقل الجماعي، والمواقف المؤقتة والمنظمة.
ومن المهم كذلك توزيع المشروعات والوجهات السياحية على نطاق أوسع، بحيث لا تتركز حركة الزوار في مواقع محدودة. فتطوير وجهات بيئية، وثقافية، وترفيهية جديدة في السواحل، والجبال، والولايات المجاورة، يمكن أن يخفف الضغط عن مركز صلالة، ويوزع العائد الاقتصادي على مناطق أوسع، ويطيل مدة إقامة الزائر، ويرفع جودة التجربة السياحية.
إن المحافظة على زخم التنمية الذي تشهده سلطنة عُمان لا تتحقق فقط بتنفيذ مزيد من المشروعات، بل أيضًا بحسن توزيعها مكانيًا، وربطها برؤية متكاملة للسكان، والنقل، والإسكان، والاقتصاد، والسياحة، والبيئة. فكل طريق جديد، وكل حي سكني، وكل مرفق حكومي، أو وجهة سياحية، ينبغي أن يكون جزءًا من خريطة وطنية مترابطة، لا مشروعًا منفصلًا يعالج حاجة آنية.
والقيمة الحقيقية للتخطيط الحضري لا تكمن في معالجة ازدحام اليوم فحسب، بل في استباق احتياجات الغد. فحين يسبق التخطيطُ النموَّ، تنخفض كلفة المعالجة، وتصبح المدن أكثر قدرة على الصمود، والمنافسة، وخدمة الإنسان.
ويبقى السؤال: هل ننتظر حتى ترتفع كلفة الازدحام، والتمدد العمراني، وضغوط السياحة، والمناخ، أم نبدأ، منذ الآن، في إعادة رسم الخريطة العمرانية لعُمان، بما يحافظ على مكانة مسقط، ويدعم استدامة ازدهار صلالة وغيرها من المدن، ويؤسس لتنمية مكانية أكثر توازنًا واتساقًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، بقيادة سلطان البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه؟
