د. محمد بن خلفان العاصمي
خلال مشاركتي في الجلسة الحوارية التي أقيمت في وزارة التنمية الاجتماعية حول المرأة العُمانية وانتخابات مجلس الشورى: من المشاركة إلى صناعة الأثر، طُرح تساؤل عام حول الوعي وكيفية تشكيله لدى الإنسان بشكل عام، والشباب بشكل خاص، وخاصة في ظل ما نشهده من أحداث وتغيرات كبيرة على جميع المستويات في المجتمع، وفي ظل الانفتاح المعرفي على جميع الثقافات والمجتمعات حول العالم، مع توفر التكنولوجيا الرقمية التي ساهمت في إلغاء المسافات الجغرافية، وأصبح معها نقل المعرفة والمعلومات وتصدير القيم والسلوكيات في غاية البساطة والسهولة.
إجابتي على هذا التساؤل، ومن وجهة نظر شخصية، بناءً على ما نشاهده اليوم من توافر العوامل والوسائل والظروف لكل فرد حتى ينمي قدراته ومدركاته الشخصية، فإن الوعي، في المقام الأول، هو مسؤولية فردية، ثم بعد ذلك هو مسؤولية مشتركة بين الفرد والمجتمع. فبناء الوعي وتشكيله ينطلق من خلال اتساع مدارك المعرفة لدى الأفراد، ومع توافر التعليم لكل فرد وسهولة الوصول إلى المعرفة الصحيحة، يبقى أمر التفكير النقدي، وإعمال العقل، والمقارنة، والتقييم بين ما هو جيد وما هو سيئ، أمرًا مرتبطًا بالفرد ذاته، ومدى قدرته على فهم الواقع بشكل صحيح.
الوعي ليس مجرد إدراك للواقع، بل مسؤولية أخلاقية تفرض على الفرد أن يحسن التصرف تجاه نفسه ومجتمعه، كما تفرض على المؤسسات والمجتمع توفير البيئة التي تساعد على بناء وعي رشيد ومسؤول. ولذلك فالوعي هو مسؤولية فردية على كل فرد منا، ومسؤولية جماعية على كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني. فالأسرة تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في غرس قيم الولاء والانتماء، والصدق، والاحترام، والامتنان لدى الأبناء، والمدرسة معنية بغرس مبادئ الشراكة، والتعاون، والتفاهم، والعمل الجماعي بين الطلبة، والمسجد عليه بناء قيم التسامح، والتعايش، والسلام الاجتماعي والإنساني بين أبناء المجتمع الواحد.
أما الإعلام المسؤول فله دور عظيم في تنمية الوعي لدى الناشئة، بالخصوص، والمواطنين، بالعموم، وخاصة الإعلام الجديد الذي بات يمثل مصدر المعرفة والمعلومة الأول، والأكثر والأسرع انتشارًا واستخدامًا. ولذلك فإن مسؤولية ما يُطرح فيه تقع على عاتق القانون، والمجتمع، والفرد، أما ما يُتلقى من خلاله فهو مسؤولية الفرد والأسرة. ولعل الدور الذي لعبه الإعلام في تشكيل الوعي لدى المجتمعات يكاد يكون أكثر تأثيرًا من غيره، بحكم الرقابة الفردية الذاتية التي أصبح بإمكانها تقرير ما ترغب في تلقيه وما لا ترغب فيه، وهنا تكمن خطورة هذا المصدر.
إن الوعي، بمفهومه البسيط، هو إدراك الفرد لنفسه وأفعاله، وفهم ما يشعر به، ومعرفته لما يدور حوله بشكل تام. ولذلك فإن تشكيل الوعي عملية ليست بسيطة، وهي تمر بمراحل مختلفة تتمثل في تلقي المعلومة وإدراكها من خلال الحواس، ثم بعد ذلك فهم هذه المعلومة وإعطائها الأهمية المناسبة، ثم التفكير والنقد من خلال طرح الأسئلة حول المعلومة لمعرفة مدى صدقها واكتمال معناها، بعدها القناعة التامة بهذه المعلومة بعد التأكد منها، وبناءً على ذلك يتحدد السلوك المناسب، وردة الفعل التي تتوافق مع الموقف أو المعلومة، وأخيرًا تأتي المسؤولية عن ردة الفعل والالتزام بتحمل النتيجة مهما كانت.
ومن هنا يتبين أن الوعي ليس مجرد معرفة، بل هو انتقال من معرفة الشيء إلى فهمه، ثم إدراك آثاره، ثم اتخاذ موقف مسؤول تجاهه. وعندما يعتاد المرء على هذا النمط من التفكير والتعامل الإيجابي مع ما يمر عليه ويتعرض له من أحداث، ووقائع، وقضايا، ومعلومات، فإنه يضمن ردود أفعال متوافقة، ومنسجمة، ومستقرة، ومتوازنة، وهذا هو الوعي الذي يحمي الفرد والمجتمع، وهو ما يعزز الثقة بالنفس، وينتج جيلًا مسؤولًا قادرًا على تجنيب الوطن المشكلات والأزمات الاجتماعية، خاصة وأن هناك استهدافًا واضحًا للمجتمعات العربية والإسلامية فيما يتعلق بمبادئ الدين، والأخلاق، والقيم الاجتماعية، يجب التعامل معه بشيء من المسؤولية، والالتزام بالدور المطلوب منا كأفراد أو جماعات.
