د. علي موسى الكناني
لم يعد الفضاء السيبراني مجالًا تقنيًا منفصلًا عن منظومة الأمن الوطني، بل تحول إلى ساحة استراتيجية تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. فالهجمات الرقمية لم تعد تستهدف أجهزة الحاسوب وحدها، بل باتت قادرة على تهديد شبكات الطاقة، والمصارف، والمطارات، والموانئ، والاتصالات، والمستشفيات، ومؤسسات الدولة، بما يجعل الأمن السيبراني واحدًا من أهم عناصر حماية الدولة الحديثة.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، تبدو الحاجة العربية إلى الانتقال من الجهود الوطنية المنفردة إلى مستوى أوسع من التنسيق والتعاون. ومن هنا تبرز فكرة إنشاء مجلس عربي أعلى للأمن السيبراني، بوصفه إطارًا مؤسسيًا يمكن أن يسهم في بناء منظومة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة.
لقد حققت بعض الدول العربية تقدمًا مهمًا في مجال الأمن السيبراني، من خلال إنشاء مؤسسات متخصصة، ووضع استراتيجيات وطنية، وتطوير مراكز الاستجابة للحوادث، والاستثمار في بناء الكفاءات البشرية والتقنيات الحديثة.
فالتحدي لم يعد في غياب القدرات، بقدر ما يكمن في تشتت الجهود، وغياب إطار عربي جامع قادر على تنسيقها.
إن إنشاء مجلس عربي أعلى للأمن السيبراني يمكن أن يمثل خطوة عملية في هذا الاتجاه. ويمكن أن يعمل المجلس ضمن إطار جامعة الدول العربية، مع الحفاظ على استقلال المؤسسات الوطنية، بحيث يكون منصة للتنسيق، وتبادل المعلومات والخبرات، ووضع السياسات العامة المشتركة.
ومن أهم المهام التي يمكن أن يضطلع بها المجلس وضع استراتيجية عربية مشتركة للأمن السيبراني، تتضمن تحديد مصادر التهديد ومخاطرها، وتحديد البنى التحتية الحيوية التي تحتاج إلى حماية، ووضع معايير عربية مشتركة للأمن الرقمي وحماية البيانات.
كما يمكن للمجلس أن يعمل على إنشاء شبكة عربية للإنذار المبكر، تسمح بتبادل المعلومات حول الهجمات، والثغرات، والبرمجيات الخبيثة، وتساعد الدول الأعضاء على الاستجابة السريعة للتهديدات قبل توسعها وانتقالها عبر الحدود.
وتبرز كذلك أهمية إجراء مناورات سيبرانية عربية مشتركة، تشارك فيها المؤسسات الحكومية والأمنية والاقتصادية، والجامعات، والقطاع الخاص، بهدف اختبار الجاهزية، وتحديد نقاط الضعف، وتطوير آليات التنسيق في حالات الطوارئ الرقمية.
ولا يمكن بناء منظومة عربية قوية من دون الاستثمار في العنصر البشري. لذلك يمكن للمجلس أن يدعم إنشاء برامج تدريب عربية مشتركة، وتبادل الخبراء، ومنحًا دراسية متخصصة، ومراكز بحثية تعمل على تطوير حلول عربية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتشفير، وتحليل البيانات، واكتشاف الهجمات.
كما يمكن أن يكون المجلس نواة لدعم صناعة عربية للأمن السيبراني. فالدول العربية تنفق مبالغ كبيرة على شراء الحلول التقنية من الخارج، في وقت تمتلك فيه المنطقة طاقات بشرية وعقولًا شابة قادرة على تطوير شركات ومنتجات تنافسية إذا توافرت لها البيئة المناسبة، والتمويل، والدعم المؤسسي.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم مستهلك التكنولوجيا إلى منتج المعرفة. فالمستقبل لن يكون للدول التي تشتري أحدث الأنظمة فقط، بل للدول التي تمتلك القدرة على فهم التكنولوجيا، وتطويرها، والتحكم بها.
ومن المهم ألا يتحول المجلس المقترح إلى مؤسسة بيروقراطية جديدة تضاف إلى المؤسسات القائمة، بل يجب أن يقوم على هيكل مرن وفعال، يركز على تبادل المعلومات، والتنسيق العملي، والاستجابة السريعة. كما ينبغي أن يضم، إلى جانب ممثلي الدول، خبراء من الجامعات، والقطاع الخاص، ومراكز الأبحاث، لأن الأمن السيبراني مجال سريع التطور، ولا يمكن إدارته بالأساليب التقليدية وحدها.
وقد يكون من المفيد أن تبدأ الدول العربية بتشكيل نواة أولى للمجلس من الدول التي تمتلك تجارب متقدمة في هذا المجال، على أن تكون مهمتها وضع التصور العام للنظام الأساسي، وتحديد آليات التعاون، ثم توسيع المشاركة تدريجيًا لتشمل جميع الدول العربية.
إن الفكرة لا تعني إنشاء قوة سيبرانية موحدة بالضرورة، ولا تعني التدخل في الشؤون السيادية للدول، بل تقوم على مبدأ التعاون، والتنسيق، وتبادل الخبرات. فالتهديدات الرقمية عابرة للحدود، ومواجهتها تحتاج إلى تعاون يتجاوز الحدود السياسية.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي تمتلك آليات للتنسيق وتبادل المعلومات تكون أكثر قدرة على مواجهة الهجمات السيبرانية. ومن هنا، فإن بناء أمن جماعي رقمي عربي يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مشاريع التعاون العربي في المرحلة المقبلة.
إن إنشاء مجلس عربي أعلى للأمن السيبراني ليس مجرد فكرة تقنية، بل مشروع استراتيجي يرتبط بحماية الاقتصاد، والسيادة الوطنية، واستقرار المجتمعات. وفي عالم تتحول فيه الصراعات من ساحات القتال التقليدية إلى شبكات الاتصالات، والبيانات، والخوارزميات، يصبح امتلاك القدرة على حماية الفضاء الرقمي جزءًا من امتلاك القرار الوطني.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل تحتاج الدول العربية إلى التعاون في مجال الأمن السيبراني؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا التعاون إلى مؤسسة فاعلة وقادرة على الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن استيراد الحلول إلى صناعة المعرفة، ومن الجهود المنفردة إلى منظومة عربية متكاملة؟
فالمستقبل قد يشهد تزايدًا في الحروب الرقمية، والدول التي لا تستعد لهذا المستقبل قد تجد نفسها أمام تهديدات لا ترى طائراتها، ولا تسمع صواريخها، لكنها قادرة على تعطيل اقتصادها، ومؤسساتها، وخدماتها.
ومن هنا، يمكن أن يكون المجلس العربي الأعلى للأمن السيبراني خطوة نحو بناء مفهوم جديد للأمن العربي، يقوم على حماية الحدود الرقمية كما تُحمى الحدود الجغرافية، ويضع الأمن السيبراني في موقعه الطبيعي بوصفه أحد أهم مكونات الأمن الوطني والعربي في القرن الحادي والعشرين.
فمن يملك القدرة على حماية فضائه الرقمي، يملك جزءًا أساسيًا من سيادته، ومن يتعاون في مواجهة التهديدات الرقمية، يكون أكثر قدرة على حماية مستقبله.
