د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي**
اعتمدت الأنظمة الدستورية المقارنة، في تقعيد الاختصاص التشريعي التقليدي للبرلمانات، وظيفتين: سن القوانين، والرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية. ولئن كان هذا هو الدور الأصيل للسلطة التشريعية، فإن ما تشهده الدول من تحولات عالمية في شتى مناحي الحياة جعل تلك الاختصاصات لا تتلاءم مع أهمية تحقيق متطلبات التنمية المستدامة، ومن ثم لم تعد السياسة التشريعية في العصر الحديث مقتصرة على هاتين الوظيفتين، بل تطورت تلك السياسة لتصبح أداة استراتيجية لتوجيه مسارات التنمية، وجذب الاستثمارات، ورفع جاهزية الدول في مواجهة التحولات العالمية، إذ إن معيار فاعلية السياسة التشريعية أضحى يؤدي دورًا محوريًا في الموازنة بين الالتزام بالمرتكزات الدستورية والاستجابة لأهداف التنمية المستدامة.
ولا جرم أن المرتكزات الدستورية تعد النظام المرجعي الحاكم لمنظومة العمل التشريعي، فهي التي ترسم المبادئ والقيم التي تستند إليها سائر القواعد القانونية، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: سيادة القانون، ومبدأ المساواة، وحماية الحقوق والحريات الفردية، والفصل بين السلطات العامة، واستقلال القضاء. وهي مبادئ، ولئن بدا ظاهرها إطارًا نظريًا دستوريًا، فإن جوهرها الحقيقي يكمن في كونها تشكل ضمانًا لمشروعية التشريعات واستقرارًا للقبول المجتمعي.
وفي المقابل، تفرض التنمية المستدامة نفسها على المشرع ليتجاوز دوره التقليدي، وليكون أداة فعالة في تحقيق كافة مجالات التنمية، فالتنمية المستدامة لا تتحقق إلا عبر الجمع بين التقعيد الدستوري لمبادئ وقيم المجتمع وبين ترسيم مساقات التنمية، وذلك في إطار منظومة تشريعية تتسم بالشمولية والاتزان.
ولا مشاحة في القول إن السياسة التشريعية تتمركز في نقطة الالتقاء بين القواعد الدستورية ومستهدفات التنمية، فهي تعمل على عدم التعارض والتضاد بين ما تصدره السلطة التشريعية من تشريعات وبين المبادئ الدستورية الراسخة، وذلك دون إغفال القيام بتذليل المعيقات التي يواجهها المشرع في صناعة التشريعات ذات البعد التنموي، انطلاقًا من كون التشريع الرشيد هو الذي يصون القيم ويحقق التنمية في آن واحد.
وغني عن البيان أن تحقيق هذه المواءمة بين ترسيخ المرتكزات الدستورية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب السير وفق منهجية قياس أثر التشريع؛ لكون صناعة التشريع الذي يحقق تلك الغايات تستلزم، بداءةً، تحديده على وجه الدقة، ومن ثم جمع البيانات والمعلومات الخاصة به، وتحديد الإشكالية القائمة، وعرضه على أهل الاختصاص والخبرة، وتدوين آثاره الإيجابية والسلبية، ودراسة البدائل التي تحقق غايته، وصولًا إلى استصداره، ومن ثم إجراء عملية تقييم لنتائجه.
وترتبط جودة السياسة التشريعية بقدرة المشرع على استشراف المستقبل، وذلك بغية وضع الحلول القانونية موضع الوقاية عوضًا عن الوضع العلاجي السائد في ممارسة البرلمان لاختصاصه الوظيفي. وبالتالي، يتطلب الأمر قيام السياسة التشريعية بتقديم دراسات تشريعية استباقية لجعل الدولة في حالة جاهزية في ظل التحولات والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها المحيط الدولي.
وحاصل القول، فإن السياسة التشريعية العمانية تكتسب أهمية قصوى في ظل تنفيذ محددات ومستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي جعلت من تطوير النظام التشريعي أحد ممكنات التنمية الشاملة. وبغية قيام السياسة التشريعية بتحقيق التوازن والتكامل بين المرتكزات الدستورية ومسارات التنمية المستدامة، فقد يكون من المناسب دراسة التوصيات الآتية:
- إنشاء الهيئة العُمانية لقياس أثر التشريع.
- قيام مجلس عُمان بتقديم بحوث ودراسات في مجال التشريعات الاستباقية.
- قيام المشرع الدستوري بإجراء مراجعة شاملة للنظام الأساسي للدولة، وذلك بدراسة مدى تناسب المرتكزات الدستورية ومسارات التنمية المستدامة مع جاهزية الدولة في ظل التحولات العالمية.
- قيام المشرع العُماني بإجراء مراجعة شاملة للتشريعات النافذة، بغية إجراء التعديلات اللازمة عليها، إذا تطلب الأمر ذلك.
- قيام وحدات الجهاز الإداري للدولة، كلٌّ في مجال اختصاصه، بدراسة التشريعات الخاصة بها، وتقديم رؤيتها التشريعية إلى مجلس عُمان.
- قيام الجهة المشرفة على رؤية "عُمان 2040" بدراسة مدى التناغم والانسجام بين مستهدفات الرؤية وممكناتها التشريعية.
**رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية، ودكتوراه في القانون الدستوري والعلوم السياسية
