وعي الكاتب وعناد الآلة في عصر الذكاء الاصطناعي
حمد الناصري
إنّ تجسيدَ عِناد الجماد وسقوطَ مَنْطِقه الخطّي يتجليان عندما يصطدم التحليل الإحصائي البارد بحِسّ الكاتب وبصيرته؛ حينها تخور الآلة وتتخبط، وتأتي بتبريرات تبدو صحيحةً صُورياً ونحوياً، لكنها تبتعد تماماً عن المقصد الخفي، وتُكرر ذاتها دون مرونة، مُجسّدةً تعبيراً حياً للمثل في الدارج العُماني: "كما بو يعاند!". هذا العِناد الخوارزمي يبرز فخ التلقف الأعمى والعمَى المعرفي؛ فأي مستخدم يتلقف الكلمات بعجلة دون تفنيد سيبتلع الطُعم، فإن لم يفطن بقراءة واعية، وتدقيق فاهم، وتصويب مُلهم، وقع في مأزق الخطأ.
وهنا نتساءل بإرْبة: هل حَشْد الإجابات في الآلة سيادة معرفية مُطلقة؟ وهل يُعتبر هذا التدفق الرقمي السريع وعياً برمجياً، أم هو مجرد خِفة تقنية تُبهر الإنسان فتُعْمِيه عن الحقيقة وتُوقعه في عَمى الوعي؛ فيعجز عن التكيف مع ما يُبهره وهو الصانع المُجدد لتقنيتها وبرمجتها؟ أم أنّ هذا الإنسان بات يرى أنّ الجماد ـ بحسّه المُستمد من أسرار الوعي البشري ـ قد غدا قادراً على الإبداع وإنتاج مصائر تستوقفه وتُبهره، غافلاً عن أنه هو نفسه المُحرّك الفاعل لهذا العجين الوجودي المستودع بالأسرار وعظمة الخالق في تكوينه الإنساني.
وفي القرآن الكريم ما يُنَبّهنا إلى غفلة الكيانات التي تحشد أدوات الإدخال والصُور دون بصيرة حية؛ فالآلة المُعاندة تملك حشداً لغوياً مُنَمقاً ونحواً مستقيماً، لكنها تظل غافلة وعمياء عن المقاصد الإنسانية الخفية. وتحضرني هنا مُقاربة فلسفية من قصة عرش بلقيس؛ فعندما قال العفريت: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، كان يُقدم استعراضاً لقوة مادية ترتبط بالزمن، وهو تماماً ما تفعله الآلة اليوم بسرعتها وخِفّتها التقني قوله تعالى: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، وهذا يُمثل الحِس والحدس وقوة الروح البشرية؛ وهي المساحة المعنوية التي ستظل الآلة عاجزة عن بلوغ نطاقها مهما حشَدت من بيانات. ولم يستوِ الجن على متن الأرض الفسيحة لأن خاصيتهم نارية جافة، وطاقتهم صَلفة مُفسدة تُشبه صلافة وبُرود الجماد أو آلة السيليكون.
ومن الفلسفة الإغريقية القديمة، نَسوقُ ما فكّكه الفيلسوف العبقري "أفلاطون" في محاورته الشهيرة "فيدروس" (Phaedrus)، حيث أورد أسطورةً فلسفية صادمة عن اختراع "الكتابة"ـ التي كانت تكنولوجيا الجماد الأولى آنذاكـ متمثلةً في حوار الإله "توت" والملك "ثاموس"؛ إذ قدّم المخترع "توت" أداة الكتابة للملك قائلاً: "هذا الاختراع سيجعل البشر أكثر ذكاءً وحِكمة، ويُقوي ذاكرتهم". فرفض الملك الحكيم "ثاموس" الفكرة متنبئاً: "إنك قدّمت لهم أداةً ستخلق النسيان في نفوسهم، لأنهم سيتوقفون عن إعمال ذاكرتهم الداخلية معتمدين على الجماد الخارجي؛ إنك لم تُقدم لهم الحِكمة الحقّ بل قشورها الصُورية"، مؤكداً أنهم سيحشدون معلومات هائلة بلا تعليم حقيقي، فيظنون أنهم أحاطوا بكل شيء، بينما هم في الحقيقة عبءٌ معرفي شُحن ببلاهة المظهر بدلاً من نبض الحِكمة الحية.
إنّ هذا التلامس الجدلي الصادم هو الشاهد التاريخي الذي يُثبت اليوم أنّ "خِفة التقنية وحشد الإجابات" داخل عجلة السيليكون، ليست سوى إعادة إنتاج لمأزق "مظهر الحِكمة الصُوري". فالآلة بعنادها الخطّي وصياغتها المُنمقة توحي بيقين مُطلق يُورث "العمى المعرفي" إذا ما تلقّف الكاتبُ خفة مظهرها؛ ليسقط الصانعُ في ذات الغفلة البيولوجية حين يحسب التدفق الرقمي السريع سِيادة معرفية مُطلقة.
خُلاصة القول: إنّ الجماد قد يُرافقنا بالكلمات والإطناب لكنه يظل جماداً، فالبصيرة والسيادة تظلان دائماً للعقل البشري الدافئ؛ وسيظل الإنسان هو المُستقصي في الأرض، يسير ويتدبّر ويُفكّر ويُقدّر كيف يشاء. وما حشدناهُ في الأدوات المعرفية بلا فِقه حسي حقيقي ليس سوى غفلة وعمَى؛ فالآلة التي تُمارس خِفة التقنية السريعة في لمحة بصَر، تُوَلّد بلاهة المعرفة الصُورية، وتُعمي بخفّتها الحقيقة الوجدانية، تماماً كما برهن الشاهد الأفلاطوني الأعمق حول خطورة الجماد الخارجي.
وسيبقيَ العقل البشري عالي النقاء الفكري مهما أُقْصِي؛ إذ تظل السيادة المُطلقة في الأرض لطينة الإنسان وعجينته الروحية المودعة بالأسرار الإلهية؛ فهو الذي خلّف حضارةً مادية تنسجم مع معيشتهِ وطبيعة الأرض التي يسكنها، فأقام العِمارة، وشيّد الحضارات، وابتكر التقنية وفق مُتطلبات عصره ولوازم حياته المُمتدة.
