قضية الباحثين عن عمل.. من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

إذا كان الشباب هم عماد الوطن، فإلى متى يبقى هذا العماد خارج البناء؟
وإلى أين نمضي إذا كانت أعداد الباحثين عن عمل تتزايد عامًا بعد عام، بينما يزداد المستقبل حاجة إلى سواعدهم وعقولهم؟

فليست كل الأزمات تبدأ بصوت مرتفع، فبعض القضايا تنمو بهدوء حتى تتحول، مع مرور الزمن، إلى تحدٍّ يمس استقرار المجتمعات وقدرتها على صناعة المستقبل.

وقضية الباحثين عن عمل ليست مجرد أرقام أو قوائم انتظار، بل هي قضية إنسان يحمل طاقة تنتظر فرصة، وشباب يريدون أن يكونوا شركاء حقيقيين في البناء، واقتصاد يُختبر بقدرته على تحويل الطاقات الوطنية إلى إنتاج وقيمة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في قلة الوظائف فقط، بل في الفجوة التي اتسعت بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد. فعندما يصبح نمو أعداد الباحثين عن عمل أسرع من نمو الفرص المتاحة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كم وظيفة نحتاج؟ بل: كيف نبني اقتصادًا قادرًا على صناعة الوظائف؟

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل الحلول هو:

هل نحن أمام نقص في الوظائف، أم أمام حاجة إلى إعادة بناء منظومة العمل والاقتصاد؟

إن الدول لا تعالج هذه القضية بكثرة الإعلانات الوظيفية أو الحلول المؤقتة، وإنما ببناء اقتصاد منتج قادر على خلق الفرص بصورة مستمرة. فالمشكلة ليست في الباحث عن عمل الذي ينتظر فرصة ليكون عنصرًا منتجًا في وطنه، بل في منظومة تحتاج إلى مراجعة حقيقية تنقل القضية من دائرة الانتظار إلى دائرة المعالجة.

فالسنوات لا تُقاس بعدد الخطط والاجتماعات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من نتائج ملموسة. وفي ظل النهج المؤسسي القائم على الحوكمة وقياس الأداء، فإن القضايا الكبرى تحتاج إلى مراجعة الأدوات والأساليب والقيادات القادرة على تحقيق التحول المطلوب.

فالتجديد ليس انتقاصًا من أحد، وإنما هو جزء من طبيعة العمل المؤسسي الذي يقوم على التطوير والاستفادة من الأفكار الجديدة عندما تتطلب المرحلة ذلك.

ومن هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: من المسؤول عن استمرار هذه القضية؟ أهو الباحث عن عمل الذي ينتظر دوره؟ أم المنظومة والأدوات التي أُنيط بها وضع الحلول، ولم تنجح حتى اليوم في نقل القضية إلى مسار أكثر فاعلية؟

وإذا استمرت القضية عبر مراحل إدارية متعاقبة، وما زالت تعود بالصورة نفسها، فإن من حق الوطن أن يفتح المجال لمقاربات جديدة وقيادات تحمل أفكارًا مختلفة؛ لأن نجاح المؤسسات لا يرتبط ببقاء الأشخاص، وإنما بقدرتها على التطوير وتحقيق النتائج التي ينتظرها المجتمع.

لقد كانت الوظيفة الحكومية لعقود طويلة ركيزة أساسية في بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وهذا دور لا يمكن إنكاره.

لكنها لم تعد قادرة وحدها على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. ومن هنا، فإن السؤال الأكبر لم يعد: كيف نوفر المزيد من الوظائف؟ بل: كيف نبني اقتصادًا يصنع الوظائف بنفسه؟

إن معالجة قضية الباحثين عن عمل تتطلب رؤية شاملة تقودها الدولة من خلال سياسات واضحة تعيد تنظيم سوق العمل، وتوجه الاقتصاد نحو القطاعات القادرة على خلق فرص حقيقية ومستدامة.

ثم تأتي بقية الأطراف شركاء في هذا المسار، فالتعليم مسؤول عن إعداد الكفاءات، والقطاع الخاص مسؤول عن المشاركة في صناعة الفرص، والشباب مسؤولون عن تطوير قدراتهم بما يواكب التحولات الاقتصادية ومتطلبات المستقبل.

كما يجب أن يصبح خلق فرص العمل معيارًا أساسيًا في تقييم المشاريع والاستثمارات، فلا يُقاس نجاح أي مشروع بحجمه المالي فقط، بل بما يضيفه من قيمة اقتصادية واجتماعية، وما يوفره من فرص، وما يبنيه من مهارات وطنية.

والإصلاح الحقيقي يبدأ من التعليم، فالجامعة ليست مصنعًا للشهادات، بل مؤسسة وطنية لصناعة الإنسان وبناء الكفاءات التي يحتاجها الوطن. وعندما يتحول التعليم إلى مسار منفصل عن احتياجات الاقتصاد، تصبح الشهادة بداية انتظار بدلًا من أن تكون بوابة انطلاق.

فالاقتصادات الحديثة لا تبحث عن الشهادات وحدها، بل عن المهارات والابتكار والقدرة على التعلم المستمر. ولذلك تحتاج المرحلة القادمة إلى التركيز على القطاعات القادرة على استيعاب الطاقات الوطنية، مثل الصناعة، والتقنية، واللوجستيات، والسياحة النوعية، والصناعات المرتبطة بالموارد الوطنية.

فالثروة الحقيقية للدول لا تُقاس بما تحت الأرض فقط، بل بما تملكه من عقول قادرة على المعرفة والإبداع والإنتاج.

وعندما نتحدث عن الباحثين عن عمل، فإننا لا نتحدث عن أرقام في قوائم انتظار، بل عن شباب يريدون أن يبدأوا حياتهم، وأسر تنتظر الاستقرار، ووطن يريد أن يستثمر أغلى موارده، وهو الإنسان.

فالعمل ليس مجرد دخل مالي، بل قيمة اجتماعية، وشعور بالانتماء، وطريق لبناء المستقبل.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يقود المرحلة القادمة هو: هل سنواصل البحث عن وظائف للباحثين عن عمل؟

أم سنمتلك الشجاعة لإعادة بناء سوق العمل من جذوره، حتى تصبح الوظائف ثمرة طبيعية لاقتصاد يصنع الفرص ولا ينتظرها؟

فالقرارات التي تُتخذ اليوم لن تحدد مصير الباحثين عن عمل فحسب، بل سترسم شكل الاقتصاد الذي سيرثه الجيل القادم.

الأكثر قراءة

z