من "أن تُرى" إلى "أن تُوثَق": لماذا تتغير نظرة العالم إلى الصين؟

 

 

 

بقلم ليانغ سوو لي

إعلامية صينية

 

أظهر استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث وشمل 36 دولة ومنطقة حول العالم، أن الانطباعات الإيجابية تجاه الصين تواصل ارتفاعها، فيما سجلت مستويات التأييد لها في عدد من الدول أعلى معدلاتها خلال السنوات الأخيرة. والأكثر لفتًا للانتباه أن المشاركين في عدد غير قليل من الدول قيّموا الصين بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة، واعتبروها شريكًا أكثر جدارة بالثقة.

فالتحولات في الرأي العام الدولي لا تصنعها الشعارات ولا الحملات الدعائية، بل يحددها سؤال واحد: ماذا يقدم هذا البلد للعالم؟

في الماضي، كان الحديث عن نفوذ الدول الكبرى يتركز على حجم الاقتصاد والقوة العسكرية والنظام السياسي، أما اليوم، فقد برز معيار آخر يزداد أهمية، وهو: أي الدول تمتلك القدرة على تقديم مزيد من المنافع العامة التي تساعد على معالجة التحديات المشتركة التي تواجه البشرية؟

وقد وفر المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي 2026، الذي اختتم أعماله مؤخرًا، نموذجًا واضحًا لفهم هذا التحول.

فالذكاء الاصطناعي أصبح اليوم في صدارة المنافسة التكنولوجية العالمية، غير أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تحقيق اختراقات تقنية، بل يمتد إلى تنسيق قواعد الحوكمة، وردم الفجوة الرقمية، وضمان تقاسم ثمار التنمية بصورة أكثر عدالة. وانطلاقًا من ذلك، لم يكن تركيز الصين في المؤتمر منصبًا على السعي إلى الهيمنة التكنولوجية، بل على تعزيز الانفتاح والتعاون الدوليين.

فمن المبادرة إلى إنشاء المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى إطلاق خطة العمل للتعاون والتنمية في مجال الذكاء الاصطناعي، ومن تخصيص خمسة آلاف فرصة تدريبية في هذا المجال للدول النامية خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى توسيع تطبيق نظام "ماتسو" للإنذار المبكر الذكي للأرصاد الجوية في ثلاثين دولة، لم تعرض الصين قدراتها الابتكارية فحسب، بل قدمت أيضًا تصورًا عمليًا لكيفية تحويل التفوق التكنولوجي إلى منفعة عامة تخدم المجتمع الدولي.

ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع مزيدًا من الدول إلى إعادة تقييم الصين بصورة مختلفة.

فعلى مدى السنوات الأخيرة، ومع التقدم المستمر لمبادرة "الحزام والطريق"، وتعميق مبادرات الصين العالمية في مجالات التنمية والأمن والحضارة والحوكمة، واصلت الصين توفير ما تحتاج إليه الدول فعلًا من فرص وموارد للتنمية، بدءًا من مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة، مرورًا بالتحول الرقمي والتدريب المهني وتبادل خبرات الحد من الفقر، وصولًا إلى حلول متكاملة لمواجهة تحديات عالمية مثل تغير المناخ وأزمات الصحة العامة. وبالنسبة إلى كثير من الدول النامية، لم تعد الصين مجرد شريك تجاري، بل أصبحت شريكًا في مسيرة التحديث والتنمية.

ويبرز في نتائج استطلاع بيو مؤشر آخر جدير بالاهتمام، إذ يرى غالبية المشاركين في عدد كبير من الدول متوسطة الدخل أن الصين تؤدي دورًا إيجابيًا في الحفاظ على السلام والاستقرار الدوليين، ويعتبرونها شريكًا يمكن الوثوق به. ويعكس ذلك تحولًا في المعايير التي يحكم العالم من خلالها على الصين؛ فبدلًا من الانشغال بالشعارات الأيديولوجية، بات الاهتمام ينصب على النتائج العملية للتعاون، وبدلًا من التنافس بين النماذج والقيم، أصبحت الأولوية لمن يسهم في دفع عجلة التنمية.

كما يعكس هذا التحول تغيرًا أعمق في مفهوم الحوكمة العالمية.

ففي السابق، كان النفوذ الدولي يرتبط أساسًا بامتلاك حق وضع القواعد وهيمنة الخطاب. أما اليوم، وفي ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم آثار تغير المناخ، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، فإن ما يحتاجه العالم أكثر من أي وقت مضى هو شركاء قادرون على توفير فرص التنمية، وتعزيز التعاون التكنولوجي، وطرح حلول عملية للتحديات المشتركة. وكلما زادت قدرة دولة ما على توفير قدر أكبر من اليقين والاستقرار، ازدادت قدرتها على كسب الثقة الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، واصلت الصين توسيع انفتاحها رفيع المستوى على العالم، والحفاظ على استقرار سلاسل الصناعة والإمداد العالمية، وتعزيز التعاون في مجالي التنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي. وفي جوهر هذه السياسات، يبرز سؤال يفرضه واقع العالم اليوم: كيف يمكن لدولة كبرى أن تجعل من تنميتها فرصة لتنمية العالم، لا مصدرًا للمخاطر؟

وبطبيعة الحال، تكشف نتائج استطلاع بيو أيضًا أن بعض الدول لا تزال تحتفظ بوجهات نظر مختلفة تجاه الصين، وهو ما يؤكد أن بناء الصورة الدولية لأي دولة عملية طويلة الأمد. غير أن الأهم هو أن عددًا متزايدًا من الدول بات يستند إلى خبرته المباشرة في التعاون مع الصين، بدلًا من الاكتفاء بالروايات الخارجية عند تكوين انطباعاته عنها. وهذا يعني أن صورة الصين الدولية تنتقل تدريجيًا من مرحلة "أن تُوصَف" إلى مرحلة "أن تُجرَّب"، ومن "أن تُرى" إلى "أن تُوثَق".

إنَّ تحسن صورة الصين في العالم لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن نتيجة نموها الاقتصادي وحده، بل جاء ثمرة تراكم الثقة عبر التعاون العملي، وتوفير المنافع العامة، وتقديم حلول صينية تستجيب للتحديات العالمية. فمن المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي إلى التعاون الدولي في حوكمة هذه التكنولوجيا، تبرهن الصين بالفعل أن مكانة الدولة المؤثرة عالميًا لا تقاس فقط بما تمتلكه من تقنيات متقدمة، وإنما أيضًا بقدرتها على إتاحة فرص التنمية أمام عدد أكبر من الدول.

وحين تبدأ مزيد من الدول في التعرف على الصين من خلال نتائج التعاون الملموسة، فإنَّ ما تكسبه الصين لا يقتصر على تحسن نتائج استطلاعات الرأي، بل يمتد إلى بناء رصيد من الثقة الدولية قائم على التنمية المشتركة. وهنا يكمن، في جوهره، السبب العميق وراء التحول الذي يشهده العالم في نظرته إلى الصين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z