خالد بن سالم الغساني
يُعدّ السؤال عن سبب اختلاف الموقف الأمريكي من البرنامج النووي الإيراني مقارنة بموقفها من البرامج النووية في الهند وباكستان أحد أكثر الأسئلة إثارة للنقاش في العلاقات الدولية؛ فمنذ عقود، تبنّت الولايات المتحدة سياسة تقوم على منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، مستخدمةً العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والعمليات السرية، وصولًا إلى التهديد باستخدام القوة والعمل العسكري. وفي المقابل، انتهى الأمر بواشنطن إلى التعايش مع امتلاك الهند وباكستان للسلاح النووي، رغم معارضتها المعلنة لتجاربهما النووية.
هذا التباين يفرض سؤالًا مشروعًا: لماذا أصبح امتلاك إيران للسلاح النووي خطًا أحمر، بينما لم يُعامل امتلاك الهند أو باكستان بالطريقة نفسها؟
تزداد أهمية هذا السؤال في ضوء ما نُقل عن أحد وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين، خلال جلسة غداء خاصة حضرها وزير خارجية عربي سابق؛ إذ أكد- بحسب رواية الوزير العربي- أن السبب الحقيقي وراء تشدد الولايات المتحدة تجاه البرنامج النووي الإيراني هو أن إيران تعادي إسرائيل، وأن امتلاكها للسلاح النووي سيشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها. وسواء أُخذ هذا الحديث بوصفه شهادة شخصية أو تعبيرًا عن رؤية داخل دوائر صنع القرار، فإنه يسلط الضوء على البعد الذي قد يفسر جانبًا مهمًا من السياسة الأمريكية في هذا الملف.
لقد قدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تفسيرات متعددة لموقفها من إيران، فتحدثت عن منع انتشار الأسلحة النووية، والحفاظ على استقرار الشرق الأوسط، ومنع سباق التسلح، وحماية الأمن الإقليمي. وهي اعتبارات لا يمكن إنكار حضورها في الخطاب الرسمي الأمريكي. غير أن المقارنة مع حالات أخرى تكشف أن هذه المبادئ لم تُطبق دائمًا بالدرجة نفسها، وأنها لم تكن وحدها العامل الحاسم في رسم السياسة الأمريكية.
الهند أجرت تجاربها النووية عام 1998 خارج إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ثم تحولت بعد سنوات قليلة إلى شريك استراتيجي للولايات المتحدة، ووقعت معها اتفاقيات للتعاون النووي المدني، بما مثّل اعترافًا عمليًا بوضعها النووي.
أما باكستان، فقد امتلكت السلاح النووي في الفترة نفسها، رغم أن برنامجها ارتبط لاحقًا بأكبر شبكة معروفة لانتشار التكنولوجيا النووية بقيادة العالِم النووي عبد القدير خان. ومع ذلك، لم تسعَ الولايات المتحدة إلى تجريدها من سلاحها النووي، ولم تجعل من إنهاء برنامجها النووي شرطًا للعلاقة معها، بل استمرت في التعاون معها وفق ما تقتضيه مصالحها الاستراتيجية.
ولو كان المعيار الوحيد هو منع الانتشار النووي، لكان من المنطقي أن تتشابه السياسات الأمريكية تجاه جميع الدول التي سعت إلى امتلاك هذا السلاح خارج المنظومة الدولية. لكن الواقع يكشف أن واشنطن تعاملت مع كل حالة وفق موقعها في شبكة المصالح والتحالفات الأمريكية.
وتبقى المقارنة مع الهند وباكستان كاشفةً لجوهر المسألة؛ فالولايات المتحدة، رغم اعتراضها على امتلاكهما السلاح النووي، انتهت إلى التكيف مع الواقع الجديد، ولم تعتبر وجود دولتين نوويتين جديدتين تهديدًا يستوجب سياسة دائمة من الحصار أو السعي إلى منع امتلاكهما لهذا السلاح بأي ثمن. أما في الحالة الإيرانية، فقد بدا الموقف مختلفًا جذريًا؛ إذ تحوّل منع إيران من امتلاك السلاح النووي إلى هدف استراتيجي ثابت، تعاقبت عليه الإدارات الأمريكية على اختلاف توجهاتها، وتعددت الوسائل بينما بقي الهدف واحدًا.
ومن هنا، يصعب تجاهل أن العامل الفارق لم يكن مجرد مبدأ منع الانتشار النووي، وإنما طبيعة الدولة المعنية وموقعها في الصراع مع إسرائيل؛ فإيران لا تخفي رفضها الاعتراف بإسرائيل، وتعلن دعمها لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وترى أن المشروع الصهيوني كيان استعماري ينبغي أن ينتهي. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى إيران بوصفها التهديد الاستراتيجي الأول لأمنها. وفي ظل التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، أصبح منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية جزءًا من معادلة حماية التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة.
ولا يعني ذلك أن الاعتبارات الأمريكية الأخرى، كأمن الخليج أو منع الانتشار النووي أو استقرار المنطقة، غابت عن عملية صنع القرار، لكنها بدت عوامل مُعزِّزة للموقف أكثر من كونها الدافع الأساسي له. أمَّا العامل الذي منح الملف الإيراني هذه المكانة الاستثنائية، مقارنة بغيره من البرامج النووية، فهو ارتباطه المباشر بأمن إسرائيل وبميزان القوة القائم في الشرق الأوسط. ولهذا اكتسبت الشهادة المنسوبة إلى وزير الخارجية الأمريكي السابق أهمية خاصة، لأنها لا تنفي وجود مصالح أمريكية أخرى، لكنها تشير إلى العامل الذي كان يحسم ترتيب الأولويات عندما تتزاحم الاعتبارات.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا تدافع عن مصالحها الخاصة، أو أنها تتحرك فقط وفق الرؤية الإسرائيلية، فالدول الكبرى لا تبني سياساتها على دافع واحد. غير أن التجربة العملية تشير إلى أن أمن إسرائيل يحتل موقعًا استثنائيًا في عملية صنع القرار الأمريكي في الشرق الأوسط، وأن هذا الاعتبار كثيرًا ما يصبح المعيار الذي تُوزن في ضوئه بقية المصالح.
ولهذا، فإن الاختلاف بين إيران من جهة، والهند وباكستان من جهة أخرى، لا يفسره البرنامج النووي وحده، وإنما هوية الدولة المالكة لهذا البرنامج، وطبيعة علاقتها بإسرائيل. فالهند وباكستان، رغم خلافاتهما مع واشنطن في مراحل مختلفة، لم تجعلا من مواجهة إسرائيل جزءًا من عقيدتهما السياسية، ولم تطرحا مشروعًا إقليميًا يقوم على دعم القوى المناهضة لها. أما إيران، فقد جعلت من رفض الاعتراف بإسرائيل ودعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية أحد ثوابت سياستها الخارجية، وهو ما جعل أي تحول في ميزان القوة بينها وبين إسرائيل يُنظر إليه في واشنطن باعتباره تحولًا استراتيجيًا لا يمكن السماح بحدوثه.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا رفضت الولايات المتحدة امتلاك إيران للسلاح النووي؟ وإنما: لماذا تعاملت مع الحالة الإيرانية بطريقة تختلف جذريًا عن تعاملها مع دول أخرى امتلكت السلاح نفسه؟
إنَّ الإجابة التي توحي بها الوقائع، وتعززها شهادات بعض من كانوا قريبين من دوائر القرار، هي أن أمن إسرائيل كان ولا يزال العامل الذي منح الملف النووي الإيراني طابعه الاستثنائي، وجعل من منعه أولوية استراتيجية ثابتة في السياسة الأمريكية طوال العقود الماضية.
