قراءة في رواية "هادس - بحر الدم" للكاتب أحمد الجرواني

 

 

د. شيرين النوساني

"هادس - بحر الدم": بين الرعب والعدالة

عندما أغلقتُ رواية "هادس - بحر الدم"، لم أكن أعرف إن كنت سأنام تلك الليلة. ليس لأنني خائفة من الأشباح، بل لأن السؤال الذي طرحته ظل يلح في رأسي: هل يمكن لرجل عادي أن يتحول إلى آلة انتقام مطلقة، ونحن نفهمه، بل ونحن نتعاطف معه؟

البداية صدمتني. جثة في حقيبة سيارة. كاميرات تصورها وهي تتحرك دون سبب واضح. ورائحة تثير الكلاب. المشهد سينمائي بامتياز، لكنه أكثر من مجرد صدمة.

هذا الاستهلال يشكل إعلانًا واضحًا عن طبيعة الرواية واتجاهها. فالكاتب يرسّخ منذ البداية أجواءً من القلق والترقب، وكأنه يقول لك، من الصفحات الأولى، إنها ليست رواية بوليسية تقليدية. الجمل قصيرة، ووصف مشاهد العنف دموي. الكاتب لا يمنح قارئه مساحة آمنة للمراقبة من بعيد، بل يريد منه أن يغوص في هذا العالم، حيث لا شيء يبدو على حقيقته.

من أبرز نقاط قوة الرواية سردها القائم على الكشف التدريجي. فكل جريمة تكشف جزءًا من اللغز، لكنها تفتح، في الوقت نفسه، أبوابًا لأسئلة جديدة. يعمد الكاتب إلى نقل الرواية تدريجيًا من فضاء الغموض البوليسي إلى أفق الخيال العلمي، فيكشف مصدر القدرات الخارقة للبطل في منتصف العمل. وهو تحول يغيّر طبيعة الأسئلة التي يطرحها النص ويعيد صياغتها؛ فبعد أن كان السؤال: من الفاعل؟ يصبح السؤال أكثر عمقًا: ماذا يفعل الإنسان حين يمتلك سلطة استثنائية تتجاوز حدود المألوف؟ هذا البناء السردي التراكمي لا يحافظ على عنصر التشويق لدى القارئ فحسب، بل يرفع المستوى الفكري مع كل مرحلة في الأحداث. ويتجلى ذلك بوضوح في الفصول التي يرافق فيها الراوي هادي في رحلته النفسية، حيث ينتقل السرد بين الداخل والخارج، بين نظرة الآخرين إليه وما يشعر به هو، مما يخلق فجوة درامية تثري الصراع وتزيد من التوتر.

أما على مستوى البناء السردي، فيعتمد الكاتب على راوٍ عليم يمنحه حرية التنقل بين الشخصيات والأمكنة. وهذا يتيح للقارئ رؤية أشمل من الشخصيات نفسها، التي تظل في حيرة، كما يتجلى في المشاهد المتوازية بين تحقيقات الشرطة وتحركات هادي. ويتسم الإيقاع اللغوي بالمرونة والسرعة في مشاهد العنف، والبطء في مشاهد التحقيق والتأمل. وهذا التباين يخلق توازنًا إيقاعيًا يمنع الرتابة. أما اللغة، فرغم قسوتها ومباشرتها في وصف مشاهد العنف، فإنها تكتسب مسحة تأملية في اللحظات التي تواكب رحلة تحول البطل النفسية.

هذه التقنيات، على بساطتها الظاهرة، تمنح الرواية تماسكها الفني، وتجعل انتقالها بين الأنواع الأدبية مقنعًا.

في قلب هذه البنية، تقف شخصية هادي. هو القلب النابض للرواية. شخصية معقدة تجمع بين الإنسانية التي كانت يومًا، والوحشية التي صار إليها، واليقين المطلق الذي لا يتردد، ولا يشك، ولا يندم. وهذا اليقين هو ما يخيفني أكثر من الدماء. لأن اليقين المطلق، في عالمنا المعقد، هو بداية كل وحشية. هادي يطرح سؤالًا صعبًا: هل يمكن للعدالة أن تكون فردية؟ حين تفشل المؤسسات، وحين يفسد القضاء، وحين يصمت الإعلام، هل يحق لفرد أن يأخذ القانون بيديه؟ الرواية لا تجيب. وهذا سر قوتها. تترك القارئ في حيرته.

ومن أجمل ما في الرواية أنها تبني ثنائيات كبرى لا تقدم إجابة سهلة عنها. ثنائية العدالة الفردية مقابل العدالة المؤسسية، حيث يُصوَّر العالم فاسدًا والمؤسسات متواطئة، فيبدو هادي حلًّا وحيدًا، لكن ثمن هذا الحل هو الوحشية. وثنائية الشفافية مقابل الاختفاء؛ فهادي يستطيع الاختفاء، لكنه يختار أن يترك أدلة، وأن يصور جرائمه، وأن يرسل الحقائق. هناك مفارقة لافتة: الرجل الخفي يريد أن يكون مرئيًا.

وتطرح الرواية ثنائية الانتقام مقابل التطهير بوصفها إحدى قضاياها المحورية. فهل ما يفعله هادي هو مجرد انتقام شخصي أم محاولة لتطهير المجتمع من رموزه الفاسدة؟ الرواية تترك هذا السؤال مفتوحًا دون أن تقدم إجابة حاسمة، لكن الإشارات تميل إلى ترجيح تأويل التطهير؛ فضحايا هادي ليسوا فقط من آذوه شخصيًا، بل إن بعضهم آذوا المجتمع بأكمله. هذه الثنائيات ليست مجرد أفكار فلسفية متناثرة، بل هي العمود الفقري للرواية، إذ تدور معظم الشخصيات والأحداث حولها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهي التي تمنح العمل تماسكه الفكري، وتجعل عنفه، مهما بلغت بشاعته، جزءًا من سؤال أخلاقي أوسع.

عنوان الرواية نفسه يحمل شحنة دلالية كثيفة تجمع بين البعد الأسطوري والبعد الرمزي: هادس هو حاكم العالم السفلي في الميثولوجيا الإغريقية، ويرتبط اسمه، في أصله اللغوي، بفكرة اللامرئي أو الخفاء، وهو ما ينسجم مع قدرة البطل على الاختفاء. أما بحر الدم فلا يقتصر على كونه إحالة إلى مشاهد العنف، بل هو رمز لعالم أخلاقي غارق في الدماء، حيث تتداخل الحدود حتى تصبح العدالة وحشية، والوحشية عدالة. هذا التقاطع بين الدلالتين يختزل الصراع المحوري في الرواية: بطل يتخذ من العنف وسيلة لتحقيق العدالة، ويختفي ليكون أكثر حضورًا وتأثيرًا.

ومع كل هذا الأثر الإيجابي الذي تركته الرواية، فإنها لم تسلم من بعض المآخذ. فالمشكلة الأولى ليست شدة مشاهد العنف، بل اعتياد القارئ عليها مع تكرارها، فكلما تكررت الجرائم بالوتيرة نفسها، فقدت قدرتها على إحداث الصدمة التي أحدثتها في البداية. كان من الممكن أن يلعب الرعب النفسي دورًا أكبر في تصعيد مستوى التوتر وإثراء التجربة السردية، بدلًا من الاقتصار على استخدام الرعب الجسدي وحده. أما الإشكال الثاني فيتعلق بشخصية وفاء، التي بدت الأقل تماسكًا وقوةً بين شخصيات الرواية

فدوافعها لخيانة زوجها غير مقنعة، وتظل الشخصية سطحية طوال الوقت. لو منحها الكاتب فصلًا واحدًا من منظورها، أو حتى مونولوجًا داخليًا، لتضاعف تأثير النهاية. القارئ يحتاج إلى فهمها، إلى معرفة سبب قراراتها، لا أن تظل مجرد خائنة تُقتل.

والمشكلة الثالثة هي تسارع النهاية؛ فبعد كل هذا البناء المشوق، تأتي النهاية سريعة جدًا. الصفقة، والمحاكمة، والإعدام، والدفن، كل هذا في مساحة قصيرة. النهاية تستحق أن نتنفس معها، وأن نعيش مع البطل في لحظة الاستسلام. كما أن التبرير العلمي للقدرات الخارقة كان قفزة كبيرة؛ ففكرة أن جزءًا معدنيًا في المخ يمنح قدرة على الاختفاء وقراءة الأفكار تحتاج إلى تفسير أقوى. أو كان من الأجدى الإبقاء على مصدر هذه القدرات غامضًا، بحيث يظل الاهتمام منصبًا على آثارها الأخلاقية أكثر من تفسيرها العلمي.

في سياقها الأدبي، تذكرني الرواية بـ"الرجل الخفي" لويلز؛ فكلاهما يختبر حدود السلطة المطلقة. غير أن غريفين ينحدر إلى الجريمة بفعل العزلة وجنون العظمة، بينما يتحرك هادي بدافع العدالة والانتقام. وتذكرني أيضًا بـ"ديكستر" من حيث فكرة القاتل الذي يقتل المجرمين، غير أن هادي أكثر يقينًا وأقل صراعًا. وما يميز هادس حقًا هو طموحها السياسي؛ فبينما يظل ديكستر والرجل الخفي في فضاء الجريمة الفردية، يطمح هادي إلى تفكيك شبكة فساد تمتد إلى أعلى السلطة. وهذا يمنح الرواية وزنًا أكبر، ويجعلها أقرب إلى الديستوبيا السياسية منها إلى رواية الرعب البحتة. وفي الأدب العربي، يمكن وضع هادس في سياق يوتوبيا لأحمد خالد توفيق، من حيث نقد المجتمع واستشراف مستقبل فاسد، غير أنها تختلف عنه بالمزج الجريء بين النقد السياسي وعالم الخوارق، وهو مزيج نادر في ثقافتنا.

في النهاية، لا تنجح الرواية فقط لأنها تخيف قارئها، بل لأنها تجبره على إعادة التفكير في معنى العدالة وحدودها. وحين يصبح السؤال الأخلاقي أقوى من مشاهد الرعب، يكون العمل قد تجاوز كونه رواية رعب، ليصبح رواية عن الإنسان نفسه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z