د. محمد بن عوض المشيخي**
في عصر السماوات المفتوحة والتدفق المعرفي عبر قنوات الاتصال الجماهيري والشبكات الرقمية، أصبحت الحاجة إلى فهم وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، والتعامل معها بمهنية، ليست ترفًا، بل ضرورة لا بد منها، خاصة للمسؤولين الذين يتولون مهام مواجهة الرأي العام والحديث إلى الجمهور بهدف إبراز السمعة المؤسسية والتعريف بها، التي تشكل رأس المال الحقيقي لأي كيان تنظيمي أو جهاز خدمي في هذا العالم. فبدون إدراكنا لأهمية استخدام الإعلام بشقيه الرقمي والتقليدي في التواصل مع الجمهور الخاص، الذي يتعامل بشكل يومي مع المؤسسة، وكذلك مع المجتمع الكبير بشكل عام، الذي يشكل بالفعل القوة الضاربة لأي نجاح، بهدف تعزيز السمعة وتقديمها بثوب جديد يعبر عن التطورات المتسارعة في المنظومة الحكومية التي تحاول، بجهود مضاعفة، تسجيل بصمة تفوق ونجاح بين المتنافسين في الميدان لتحقيق الجودة وتطبيق الحوكمة في مجال قياس الأداء الحكومي في هذا البلد العزيز، الذي أصبح شغله الشاغل لصناع القرار في مختلف مفاصل الدولة.
ومن هذا المنطلق الوطني، فقد تشرفت أن أقدم البرنامج التنفيذي، الذي هو عبارة عن تطبيقات عملية وورش عمل متقدمة لمدة خمسة أيام، بعنوان: (كيفية التعامل مع وسائل الإعلام وإدارة السمعة المؤسسية)، بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية للتنمية والتدريب. إذ ضمت هذه الدورة كوكبة من الكوادر الإعلامية الذين أثروا البرنامج بمساهماتهم المميزة وحضورهم القوي أثناء التدريب، الذي عكس الخبرات الواسعة التي تمتد لسنوات طويلة من العمل الإعلامي لهؤلاء المشاركين، وذلك لكونهم ينتمون إلى معظم الوزارات والهيئات الحكومية في السلطنة. ويبدو لي أن هناك قامات وطنية يُفتخر بها لما حققته من إنجازات مشرفة تعكس نجاح القيادة العليا في بلدنا في اختيار من يحظى بشرف التفاني في خدمة الوطن والمواطن.
وبالفعل، كان لمشاركة المتدربين من محافظة ظفار رسالة ذات تأثير عميق تجاوزت اكتساب المهارات التدريبية نحو الاعتراف بالشراكة المجتمعية بين المسؤول والمواطن، بحيث يتم توظيف الإعلام وتكريس دوره في تحقيق الشفافية واللامركزية. ويتجلى ذلك بوضوح في مجموعة من المنوط بهم العمل الإعلامي في مختلف ولايات المحافظة التسع، فلا توجد اليوم زوايا مظلمة في مكاتب الولاة، الذين أصبح لهم من يتولى مهمة الكتابة وتوصيل صوت المواطن وإنجازات الولاية إلى الفضاء الرقمي، خاصة الولايات البعيدة عن مركز المحافظة «صلالة»، من شليم إلى المزيونة، وصولًا إلى ضلكوت ورخيوت وطاقة. فأجمل ما اطلعنا عليه جميعًا خلال البرنامج ما قاله المتدرب والمنسق الإعلامي لولاية شليم، عبدالله المهري، إذ يطمح المهري إلى الانخراط في العمل الإعلامي بشكل مهني بعد الدورة، لكي ينقل طموح أبناء ولايته في العديد من القضايا، خاصة توسيع مستشفى شليم وتحويله إلى مستشفى مرجعي؛ وذلك لإنقاذ الأرواح، ولا سيما في الحوادث المتكررة على الطريق الساحلي، على الرغم من المخاطبات المتبادلة بين المسؤولين في المحافظة والوزارة المختصة، حيث ترى وزارة الصحة أن أعداد المواطنين في شليم لا تتطلب إضافة كادر طبي متخصص في الإسعافات والطوارئ.
لا شك بأن النجاح المتعلق بالمحافظات مرهون بالذين يمثلونها في الساحة الإعلامية، ذلك لكون تلك المنابر تلعب دورًا حيويًا في توجيه الرأي العام بشأن قضايا المواطن.
من هنا يتمحور تركيز البرنامج على آخر المستجدات والتمارين الخاصة بالمفاتيح الأساسية للتعامل مع المنظومة الإعلامية، وإكساب المتدربين المهارات الجديدة واللازمة في كتابة المحتوى، وكيفية صناعة المؤثرين في المنصات الرقمية. والأهم من ذلك كله هو إعداد المتحدث الرسمي وتدريبه على مختلف السيناريوهات خلال الأزمات والكوارث، من خلال استشراف المستقبل بما يحمله من أزمات متوقعة أصبحت حاضرة بقوة طوال العقود الماضية، كالأنواء المناخية، والحروب الإقليمية، والمظاهرات التي شهدتها المنطقة العربية خلال ما يعرف بالربيع العربي، ومحاولة محاكاة التجارب السابقة، والاستفادة من الأخطاء التي مرت علينا، ومحاولة تجنبها في قادم الأيام.
ومن هنا تكمن أهمية فهمنا لأسرار المهنة، وقدرتنا على تحويل استخدامنا للإعلام من خطاب عابر ورسائل متناثرة يتجاهلها المجتمع، لكونها تحمل خطابًا قديمًا يزعم بأن كل شيء على ما يرام، إلى عنصر جذب وإلهام فكري يمثل مصدر قوة جديدة لجميع المنتسبين إلى المؤسسة بالدرجة الأولى، ثم الرأي العام العُماني، وذلك من خلال ضبط وتطوير الرسالة الإعلامية التي يجب أن تحتوي على كل عناصر القوة والإبداع، على أن تصل في الوقت المناسب إلى المستهدفين والمنتظرين لها بكل ما تحمله من لمسات جمالية، مستفيدة من الإمكانيات التكنولوجية، كالألوان والإبهار، اللذين يشكلان عناصر جذب للمشاهد، ومهارات فنية تعكس المستوى المتقدم لمن ينتج المحتوى الإعلامي، بحيث تجعل من يكتب وينتج ويصوغ الخطاب يحقق الغايات المرسومة لكل وزارة، وعلى وجه الخصوص رضا الناس، الذين هم بالمرصاد لتلك الرسائل الإعلامية، التي سيكتب لها النجاح في حالة واحدة فقط، وهي امتلاكنا عناصر القوة المتمثلة في الإجادة المطلوبة لصناعة التميز، الذي يجب أن يشكل فارقًا ويغير المشهد في الساحة الإعلامية، ليس فقط في صناعة محتوى جيد، بل أيضًا في مصداقية الرسالة وتعبيرها عن واقع الحال، بدون مجاملة أو تلوين، بهدف تصحيح المسار الحالي، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالارتقاء بالمضامين الإعلامية، وإنتاج رسائل ذات بعد فكري تخاطب احتياجات المجتمع وتلامسها.
فنحن اليوم نعيش في سباق مع الزمن من أجل كسب قلوب وعقول المستفيدين من الخدمات الحكومية، والمرتادين لتخليص الإجراءات في مختلف الدوائر الحكومية، والتي تتمثل في العديد من المنصات الإلكترونية الرائدة في رصد ومتابعة التحديات المتعلقة بمن يتأخر في إنجاز الأعمال المطلوبة، وخاصة الذين هم تحت سقف منصة (تجاوب)، التي تضم أكثر من55 وزارة وهيئة حكومية.
وفي الختام، غمرتني السعادة وأنا أطلع على التقييم الخاص بالبرنامج من المتدربين بعد مغادرتهم مقر التدريب، على الرغم من طلبي من الجميع بأن يتمحور على نقاط الضعف في التدريب العملي، إن وجدت، وذلك بهدف التطوير في الدورات القادمة. ولكن كانت مؤشرات نجاح البرنامج واضحة، وهذا بفضل الله وحسن ظن الزملاء المشاركين. إذ يقول المهندس بدر العبري من مدائن: "كانت الورشة إضافة نوعية لمسيرتي المهنية؛ تعلمت فيها كيفية بناء الرسائل الإعلامية بطريقة استراتيجية، وكيفية التعامل مع المواقف الحرجة والأزمات الإعلامية بثبات ومهنية عالية". بينما تقول المتدربة إشراقة المعمرية من هيئة البيئة: "سعدت بحضوري البرنامج التنفيذي المتخصص، إذ شكل البرنامج إضافة نوعية لمسيرتي المهنية، وذلك من خلال الاطلاع على أحدث الممارسات في الاتصال المؤسسي وإدارة السمعة، والأهم من ذلك تطوير مهاراتي في كتابة المحتوى الرقمي وإعداد الرسائل الإعلامية ذات التأثير؛ فقد تعلمت منهجية التحليل والرصد للمعلومات".
**أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
