محمد السعداوي **
في تمام الثانية ظهراً يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر، هتفت القلوب قبل الحناجر بصيحة النصر "الله أكبر...الله أكبر"، لقد شاء الله عز وجل أن يُلهم القادة في تخطيطهم للعبور، وتحديدهم لموعد المعركة، أن يوافق يوم العبور العظيم العاشر من رمضان، ليجمع الجنود بين ثلاث فرائض الصلاة والصيام والجهاد في سبيل الله.
لقد خاض المصريون ضباطا وجنوداً أهم المعارك وأشرسها في التاريخ الحديث، صائمون في وسط نهار يومٍ من أشد الأيام حرارة وقسوة. لم يكن الصيام عائقا أو مانعا عن حمل العدة والعتاد على الظهور والأعناق، ولم يوهن العطش والتعب عزائمهم، بل زادهم قوة وعزيمة ويقيناً بالنصر، نعم كانت الأجساد صائمة والحلوق عطشى، ولكن القلوب مُعلقة بذكر الله، والحناجر تهتف "باسم الله...الله أكبر...الله أكبر" ففي السماء انطلق مدوية طائراتنا تقصف وتدك حصون العدو ومطاراته، وعلى الأرض، تُزَّلزِل الأقدام، الأرض وتضرب السواعد بيد من حديد قوات العدو.
نعم كان العبور زلزالاً مدوياً دكَّ حصون العدو وألقى الرعب في قلوب جنوده المحتمين خلف التحصينات. أنعم الله على الجيش العظيم بالسكينة والطمأنينة وسط لهيب المعارك وجحيم القصف والنيران، وكأن مدداً من السماء كان يحرسهم ويقويهم ويثبت قلوبهم ويشد على سواعدهم. لقد منح الله المصريين مدداً من لدنه عظيماً، فصغرت في أعيُنهم قدرات العدو بأضخم دباباته وأشرس تحصيناته، فلم يعرف عن جندي أو ضابط أن الخوف تسلل إلى قلبه بل تحلى الجميع بروح من الشجاعة والإيثار كانت مضرب الأمثال، ظهرت في حكايات وسير الأبطال طوال المعركة.
كان النصر حليف الجد والاجتهاد والصبر والإيمان، لذلك أشرق رمضان بنور النصر، الذي تجلى في ست ساعات، ولم تغرب شمس هذا اليوم إلا وكانت قواتنا قد عبرت وفقاً لبيانات القوات المسلحة التي صدرت متتابعة، "بسم الله الرحمن الرحيم.. نجحت قواتنا المسلحة في عبورِ قناة السويس على طول المواجهة وتم الاستيلاء على مَنطقةِ الشاطئ الشرقي للقناة وتواصل قواتنا حاليًا قتالها مع العدو بنجاح، كما قامت قواتنا البحرية بحماية الجانب الأيسرِ لقواتنا على ساحل البحر الأبيض المتوسط وقد قامت بضرب الأهداف الهامة للعدو على الساحل الشمالي لسِيناء وإصابتها إصاباتٍ مباشرة".
لقد كان يوم النصر من أعظم أيام مصر في التاريخ الحديث، فلم تكن المعجزة فقط في النصر والعبور بل تجلت بطولات ومعجزات لأبطال صنعوا بطولات فردية، مثل البطل الشهيد محمد عبد العاطي، "صائد الدبابات" الذي وقف بمفرده كالجبل بسلاحه الفردي البسيط ودمر 23 دبابة ومدرعة إسرائيلية في معارك ضارية، محطماً أسطورة سلاح المدرعات الإسرائيلي، ليصبح أسطورة حية في تاريخ العسكرية العالمية.
والعميد الشهيد البطل إبراهيم الرفاعي ومجموعته (المجموعة 39 قتال) الملقبون بـ "أشباح الليل" زرعوا الرعب في قلب العدو، وقاموا بعمليات نوعية في سيناء خلف خطوط العدو، ودمروا إمداداته ومعسكراته، لقد استشهد البطل صائماً على أرض سيناء وهو يدافع عن أرضها المقدسة بكل شجاعة وشرف.
واللواء طيار أحمد المنصوري الشهير بـ"الطيار المجنون" صاحب "مناورة الموت الأخير"، الذي يحكي فيقول "شعرت بأنني سأموت وأن طائرات العدو خلفي، قررت ألا أموت بمفردي وأنه يجب أن يشاركني الموت أحد طياري العدو، ورفعت رأسي لله وناجيته.
كما تجلت البطولات في تلاحم الشعب -أفراد ومؤسسات- مع الجيش والقيادة، فمثلا شركة المقاولون العرب بعمالها ومهندسيها، وكما يقول المهندس عثمان أحمد عثمان في كتابه «تجربتي» عن دور الشركة في الاستعداد لحرب أكتوبر: "إن بناء دُشم الطائرات وقواعد الصواريخ كان ملحمة نضال رائعة للمقاولين العرب ...وكان لنا شهداء شرفاء، سقط منهم على الضفة الغربية للقناة 500 شهيداً في يوم واحد أثناء بناء حائط الصواريخ، فى مدة لا تتجاوز شهرين وكثف طيران العدو من غاراته على كل إنشاء جديد، لكى ينسف ويدمر كل ما تصل إليه يده، وواصل أبناء المقاولون العرب الليل بالنهار، في ملحمة صراع هائلة من أجل إقامة المنشآت الجديدة، ولكن لإعادة بناء كل ما يقوم الطيران الإسرائيلي بتدميره، وكان التحدي قد وصل إلى قيام الطيران الإسرائيلي بهدم إحدى القواعد بعد بنائها أكثر من 5 مرات ومع ذلك نجحوا في إقامتها رغم أنفه، وفى كل مرة كان يسقط من أبناء المقاولون العرب الشهيد تلو الآخر، ولكن كان يرتفع بناء القواعد حجراً فوق حجر، وانتصروا لإرادة أمتهم."
وعلى المستوى الشعبي وقف المصريون قبل وأثناء الإعداد للحرب وفي الساعات الحاسمة للمعركة، صفًا واحدًا خلف جيشهم وقيادتهم؛ حتى أن أقسام الشرطة لم تسجل أيامها إلا حالات معدودة من الجرائم وهو ما يعكس حالة توحد مع الوطن وانشغال به والتفافً غير مسبوق حول رايته وانتماء بلا حدود لترابه..
نعم لقد أعاد نصر أكتوبر للعسكرية المصرية عزها، ولأبطال القوات المسلحة كرامتهم، وللمصريين أرضهم، لذل فهو يوم العزة والكرامة ويوم الأرض، وهو علامة مضيئة في تاريخ مصر والعسكرية المصرية.
** كاتب وناشر مصري
