عُمان.. حين يصبح الثبات إرثًا والتاريخ شاهدًا



حاتم الكثيري
ليست عُمان صفحةً عابرة في كتاب التاريخ، ولا وطنًا صنعت مكانته مصادفةُ الجغرافيا أو تبدّل موازين القوى؛ إنها حكاية وطنٍ تعلّم، عبر القرون، أن الدول لا تُقاس بكثرة ما تواجه من العواصف، وإنما بقدرتها على أن تخرج من كل عاصفة وهي أكثر رسوخًا في ذاتها.
فمنذ عصور موغلة في القدم، كانت عُمان حاضرة في حركة التجارة والملاحة، ممتدة الصلات بالعالم عبر البحر، حتى غدت سواحلها وموانئها جزءًا من شبكة واسعة تصل إلى الهند وشرق إفريقيا والصين. وكان موقعها الاستراتيجي، بقدر ما منحها أهمية وثقلًا، جعلها أيضًا مطمعًا للقوى والإمبراطوريات المتنافسة. 
ومع ذلك، ظل في الشخصية العُمانية شيءٌ عصيٌّ على الانكسار.
دخل البرتغاليون مسقط في القرن السادس عشر، وظل وجودهم حتى عام 1650، قبل أن يتمكن العُمانيون من إخراجهم، ثم توسع النفوذ العُماني في شرق إفريقيا. وفي القرن الثامن عشر تمكن أحمد بن سعيد من طرد الغزاة الفرس، وأسس الدولة التي ارتبط بها حكم آل سعيد لعُمان منذ ذلك الحين. 
وهنا تكمن إحدى قراءات التاريخ العُماني: أن التحديات كانت تتغير، لكن جوهر الشخصية لم يكن يتغير.
تبدلت العصور، وتبدلت القوى، وتبدلت أدوات الصراع؛ غير أن عُمان ظلت تميل إلى بناء موقفها على هدوءٍ يعرف قدره، وحكمةٍ لا تستعجل نتائجها، ودبلوماسيةٍ لا تعني التنازل عن الثوابت، وانفتاحٍ على العالم لا يعني الذوبان فيه.
ولذلك ليس غريبًا أن تمتد العلاقات العُمانية مع العالم إلى قرون بعيدة، وأن تتشكل سياستها الخارجية تاريخيًا حول الصداقة والتبادل والحوار، وأن تحافظ في مراحل مختلفة على استقلال قرارها وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. 
ثم جاءت عُمان الحديثة، فدخلت مرحلة أخرى من تاريخها مع قيام النهضة الحديثة عام 1970، ثم انتقلت القيادة إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، الذي تولى الحكم في 11 يناير 2020، لتواصل الدولة مسيرتها في بناء المستقبل وتنويع الاقتصاد ضمن رؤية عُمان 2040. 
لكن الذي يستحق التأمل أكثر من تعاقب السلاطين وتبدل المراحل، هو ذلك الخيط الرفيع الذي يصل عُمان القديمة بعُمان الحديثة:
ثباتٌ في القيم.
ثباتٌ في الأخلاق.
ثباتٌ في المبادئ.
والدولة التي تتغير أدواتها دون أن تتغير بوصلتها، تستطيع أن تعبر الزمن دون أن تفقد ملامحها.
ولعل أجمل ما في التجربة العُمانية أن الثبات فيها لم يكن جمودًا، والانفتاح لم يكن ذوبانًا، والتحديث لم يكن قطيعةً مع الجذور. لقد ظل هناك توازن بين أصالة المجتمع ومتطلبات العصر، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم.
وهذا المعنى يجد امتداده حتى في الإطار الدستوري الحديث؛ فالنظام الأساسي للدولة يجعل الشورى مبدأً للحياة السياسية، ويؤكد سيادة القانون، ويحفظ كرامة الإنسان، ويربط بناء الدولة بقيم المجتمع وتقاليده، في امتداد مؤسسي لتقاليد عُمانية أقدم من الدولة الحديثة نفسها. 
إن الأمم العظيمة لا تنتصر على التحديات لأنها لا تواجهها، بل لأنها تعرف كيف تواجهها دون أن تفقد نفسها.
وعُمان، عبر تاريخها الطويل، لم تكن بعيدة عن التحديات؛ بل ربما كان موقعها ومكانتها واتصالها بالعالم سببًا في أن تكون أكثر تعرضًا لتقلبات التاريخ. غير أن العبرة ليست في عدد ما مرّ عليها من محن، وإنما في أنها بقيت عُمان.
بقيت بجبالها التي لا تفاوض الريح على ثباتها، وببحرها الذي علّم أبناءها اتساع الأفق، وبصحاريها التي علّمتهم الصبر، وبمجتمعٍ ظل يحمل في ذاكرته معنى الوفاء، وفي سلوكه معنى الوقار، وفي علاقته بوطنه معنى الانتماء.
ولذلك فإن الحديث عن عُمان ليس حديثًا عن الماضي وحده؛ بل عن منهجٍ في عبور الزمن.
فكل عصرٍ له تحدياته، وكل مرحلةٍ لها عواصفها، وكل وطنٍ قد يمر بمنعطفات صعبة؛ لكن الوطن الذي يمتلك قيادةً تعرف قيمة الاستقرار، وشعبًا يعرف قيمة وطنه، ومجتمعًا يستند إلى منظومة من القيم والأخلاق والمبادئ، يملك مناعةً تاريخية تتجاوز ظرف اللحظة.
وهنا يمكن فهم سرّ ذلك الهدوء العُماني الذي لا يعني غياب القوة، بل يعني أن القوة عند عُمان لم تكن يومًا في ارتفاع الصوت، وإنما في وضوح الموقف، ورصانة القرار، وطول النفس، والقدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.
عُمان لم تكن عابرةً في التاريخ؛ كانت من الذين تركوا فيه أثرًا.
وما بين عُمان التي أبحرت بسفنها إلى أقصى الموانئ، وعُمان التي تبني حاضرها وتستشرف مستقبلها، بقي المعنى الأعمق واحدًا:
أن الوطن قد تتغير ملامح زمانه، وتتبدل خرائط العالم من حوله، وتتعاقب عليه المحن والفرص، لكن حين يبقى الإنسان العُماني وفيًّا لقيمه، وحين تبقى القيادة والدولة والمجتمع ملتقين حول ثوابت الوطن ومصالحه العليا، فإن العواصف مهما اشتدت لا تستطيع أن تقتلع الجذور.
تلك هي عُمان؛ وطنٌ لم يصنعه الاستقرار وحده، بل صنعت الاستقرارَ فيه ذاكرةُ التاريخ، ورصانةُ القيادة، ووفاءُ الشعب، وثباتُ القيم.
ولهذا، كلما مرّت عُمان من بوابة زمنٍ جديد، لم تدخلها غريبةً عن نفسها؛ تدخلها وهي تحمل تاريخها في وجدانها، وقيمها في سلوكها، ومبادئها في قرارها، وعينها على المستقبل.
ومن يعرف عُمان جيدًا، يدرك أن أعظم ما تجاوزته عبر تاريخها لم يكن العقبات وحدها، وإنما كانت قدرتها على تجاوز العقبات دون أن تتجاوز هي ذاتها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z