سالم بن نجيم البادي
بعد ثلاثمائة مقال عن قضايا الناس وهمومهم، لا أقدم نفسي على أنني مصلح اجتماعي، ولا أتحدث بصفتي محور الكون، ولست عظيمًا ولا مهمًا، لكنني، في الوقت ذاته، لا أجلد نفسي ولا أحط من شأنها.
وأُثمّن الكرم الحاتمي لهذا الرجل الوطني البارز والإعلامي، وصاحب المبادرات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والثقافية، حاتم بن حمد الطائي، رئيس تحرير جريدة الرؤية الرائدة، الذي منحني، ومعه الأستاذ أحمد عمر، مدير التحرير، صاحب الأخلاق الرفيعة والأدب الجم والتعامل الراقي، مساحة للكتابة في جريدة الرؤية، وقد قارب عدد مقالاتي فيها 300 مقال، تصديت فيها لهموم الناس ومعاناتهم، وكنت -كما أقول دائمًا- لا أقدح من رأسي، بل أكتب ما يطلبه الناس، وأنا ممتن لثقتهم الغالية بي. وكثيرًا ما كنت أعيش معاناتهم، وتنتابني نوبات من الحزن والتعاطف العميق معهم.
تصلني رسائل صوتية باكية، وقصص مؤلمة، وطلبات للمساعدة المالية أو للتوسط من أجل التوظيف. رسائل أعرف من خبرتي أنها صادقة ونابعة من جوف المعاناة، وأخرى تساورني الشكوك في صدقها، ومع ذلك لا أملك إلا الاهتمام بها، ويكفيني أن أصحابها اختاروني لبث شكواهم، وتعشموا في شخصي الخير.
ومن آخر الشواهد على ما أقول، امرأة طاعنة في السن جاءت إلى بيتنا لتطلب مني التوسط من أجل توظيف ابنها الباحث عن عمل. ورجل سُرِّح من عمله تواصل معي ليخبرني بأنه طلّق زوجته أخيرًا، وأنه يعيش وحيدًا في غرفة قُطعت عنها الكهرباء، ثم اختتم حديثه قائلًا إنه لم يأكل طعامًا منذ يوم أمس.
ومثل هذه الحالات وغيرها تصلني أعداد كبيرة لا تكاد تُحصى منذ أن بدأت كتابة المقالات. وأنا لا أملك غير هذه المقالات التي أخط كلماتها المتواضعة بمداد الصدق، وبشعور مخلص لمعاناة الإنسان، لا أريد بها جزاءً ولا شكورًا.
أتبع في الكتابة الأسلوب العادي البسيط السهل، وأتحدث بلسان هؤلاء البسطاء من الناس، وأتجنب الكلام المنمق، ولا أحتاج إلى القواميس، وأكتب على سجيتي بلا رتوش ولا تكلف، وليس لي في الكلام الكبير. ثم لا أحشو مقالاتي بالإحصاءات والمعلومات والاقتراحات، وأترك ذلك لأهل الاختصاص والجهات الرسمية التي أخاطبها، فلديها الخبراء والمختصون وبيوت الخبرة والعارفون ببواطن الأمور.
ما يهمني هو إيصال صوت الناس، وتذكير من بأيديهم الحل والربط بقضايا الناس وهمومهم؛ فالصمت يجلب الإهمال والتأجيل والتسويف، وقد يدل على الرضا والاستسلام للواقع بكل ما يحويه من مرارة وسوء حال أولئك الذين يتواصلون معي.
ثم إن كثيرًا من الناس لا يجيدون التعبير عن مشاعرهم، ولا عن مشكلاتهم وقضاياهم الشخصية، فيلجؤون إلى من يعتقدون أنه يستطيع التحدث نيابة عنهم.
إن وجع الإنسان يستحق أن نتحدث عنه، وأن نتضامن مع هذا الإنسان الذي يستحق أن يعيش بكرامة، فما اشتكى إلا بعد أن أعيتْه الحيل، وعجز عن تدبير شؤون حياته.
وعسى أن تؤتي هذه المقالات أُكُلها، ولو بعد حين.
