ريم الحامدية
قبل أن تمتلئ القاعة، ثمة أشياء كثيرة تحدث ولا يراها أحد، كرسي يُعدَّل في مكانه، شاشة تُراجع للمرة الأخيرة، ميكروفون يُجرَّب، بطاقة تُعلّق على صدر أحدهم، أوراق تُرتَّب، ووجوه تمشي بسرعة كأنها تعرف أن الدقائق القليلة التي تسبق البداية قد تحمل عمرًا كاملًا من التفاصيل.
ثم يدخل أول الحضور، تبدأ القاعة بالامتلاء شيئًا فشيئًا، وتعلو الأصوات، وتتقاطع التحيات، وتلتقي الوجوه التي جاءت من أماكن مختلفة، لكنها تحمل سؤالًا واحدًا بأشكالٍ مختلفة: كيف نصنع من اقتصادنا شيئًا يبقى؟
وفي لحظةٍ ما، ينطفئ كل ذلك الضجيج، تُفتح الستارة. تُضاء المنصة، لنعلن عن بدأ منتدى عُمان للمحتوى المحلي في نسختها السابعة.
في تلك اللحظة تحديدًا، أُحبُ أن أنظر إلى المنتدى بعيدًا عن كل ما يظهر في الصورة، أفكر في الفكرة الأولى التي كانت يومًا مجرد فكرة، ثم كبرت، وتكررت، وتراكمت حولها الأسئلة والتجارب والأصوات، حتى أصبح لها موعد ينتظره الناس كل عام.
سبع دورات من منتدى عُمان للمحتوى المحلي، وسبع سنوات من النقاش، والبحث، والمراجعة، ومحاولة الاقتراب أكثر من سؤالٍ يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه عميقٌ في أثره: كيف نجعل القيمة التي نصنعها هنا، تبقى هنا؟
المحتوى المحلي ليس حكاية أرقام ونسب ومشتريات وعقود فقط، فوراء كل رقم شركة تحاول أن تكبر، ومؤسسة تبحث عن فرصة، وشاب يريد أن يبدأ، وموهبة تنتظر من يفتح لها الباب، وخبرة عُمانية تستحق أن تجد مكانها في المشهد.
وراء كل ريالٍ يُنفق، سؤال، هل صنع فرصة؟ هل بنى معرفة؟ هل حرّك مؤسسة؟ هل خلق وظيفة؟ هل أعطى منتجًا عُمانيًا فرصةً أخرى كي يقف على قدميه؟ لهذا، كلما كبر المنتدى، شعرت أن الحديث لم يعد عن المحتوى المحلي وحده.
أصبح الحديث عن فكرة الوطن حين يقرر أن يستثمر في نفسه. أن ينظر إلى موارده وشركاته وعقول أبنائه، لا باعتبارها أشياء متفرقة، وإنما باعتبارها أجزاءً من قصة واحدة.
وقيمة هذه القصة أنها لا تُكتب في يومٍ واحد، فالمنتدى قد يستغرق ساعات، لكن ما نريده منه يجب أن يعيش أطول من ذلك بكثير، نريده أن يخرج من القاعة، إلى طاولة القرار، إلى غرفة صاحب المؤسسة الصغيرة، إلى مصنعٍ يبحث عن عقد.
إلى شابٍ يبحث عن أول فرصة، إلى شركةٍ كبيرة تستطيع أن تفتح بابًا لشركةٍ أصغر، إلى كل مكان يمكن أن تتحول فيه الفكرة من كلامٍ جميل إلى فعل.
وربما لهذا أحب لحظة ما قبل البداية، لأنها تذكرني دائمًا بأن الأشياء الكبيرة لا تبدأ كبيرة، تبدأ بفكرة، ثم بأشخاص يؤمنون بها، ثم بأشخاص آخرين يضيفون إليها، ثم بسنواتٍ من العمل لا يراها أحد كاملةً، حتى يأتي يوم نقف فيه داخل القاعة وننظر حولنا، فنكتشف أن الفكرة التي بدأت صغيرة.. أصبحت مساحةً تجمع هذا العدد من العقول والقصص والطموحات.
وهنا، في الدورة السابعة، لا نريد أن نسأل فقط: ماذا أنجزنا؟ بل نريد أن نسأل بشجاعة أكبر: ماذا سيبقى بعد أن ينتهي المنتدى؟ لأن التصفيق ينتهي، والمنصة تُغلق، والأضواء تنطفئ، لكن الأثر الحقيقي لا يفترض أن يفعل، ذلك الأثر الذي يبدأ من هنا، ثم يمشي بعيدًا عن القاعة، إلى عُمان التي نريد أن نبنيها.
