الكون قبل النهضة العلمية وبعدها

 

 

أ‌.د. حيدر أحمد اللواتي

 

كانت النهضة العلمية الحديثة حدثًا كونيًا وتاريخيًا بالغ الضخامة، وزلزالًا معرفيًا أعاد تشكيل الوعي البشري؛ بيد أن المفارقة التاريخية المحزنة تكمن في أن المسلمين -رغم ريادتهم السابقة في علوم الفلك والرياضيات والطب- غفلوا أو تغافلوا عن هذا التحول الهائل إبان مخاضه، ولم يعطوه حقه من الدراسة والاهتمام والاستيعاب في وقته، ففاتهم قطار المبادرة الحضارية ومواكبة القوانين الطبيعية الجديدة التي أعادت صياغة العالم، وما زال الكثيرون يظنون أن النهضة العلمية أسهمت في رفاه الإنسان، واقتصرت على تقديم تقنيات حديثة في مجالات مختلفة، إلا أن هذه النظرة قاصرة قصورًا كبيرًا، فالنهضة العلمية لم تؤثر على تقدمنا التكنولوجي فحسب، بل غيرت فهمنا للقوانين الفيزيائية التي تسود هذا الكون وتتحكم به، وبالتالي غيرت نظرتنا إلى الكون بأسره.

فقبل أن تلج البشرية بوابة النهضة العلمية في القرن السادس عشر، كنا نقسم الكون إلى عالمين منفصلين لا برزخ بينهما؛ عالم "ما دون القمر"، حيث الأرض القابعة في مركز السكون، المحكومة بعناصرها الأربعة التقليدية: التراب المكبل بالثقل، والماء المستكين، والهواء العابر، والنار الطامحة نحو العلو، وكان هذا العالم في نظر الفلاسفة وعلماء الطبيعة، بما فيهم علماء المسلمين وفلاسفتهم، مستودعًا للتبدل، والفساد، والتحول المستمر، وفي المقابل، تشرئب الأعناق نحو عالم "ما فوق القمر"، حيث الأجرام السماوية تسبح في أثير خالص وعنصر خامس منزه عن التغير، يدور في حلقات دائرية، تسوده قوانينه الخاصة.

بيد أن فجر النهضة العلمية لم يكن مجرد تتابع للأيام، بل كان ثورة زلزلت هذه المفاهيم وأقامت صرح الكون على قلب رجل واحد؛ إذ تحطمت تلك الجدران الوهمية، وتلاشت الفوارق بين الثرى والثريا، وتجلى للعلماء قانون موحد يحكم الكون بأسره بصرامة وعدالة؛ فالجاذبية التي تسقط بها التفاحة على ثرى الأرض هي ذاتها الجاذبية التي تمسك بزمام المجرات النائية في أقاصي الفضاء وتيسر مجراها في علاقة تباين وتبادل لا تعرف الطرف الواحد، ولم يقف الأمر عند حدود الحركة، بل امتد لينفذ إلى جوهر المادة وعمق طبيعتها الكيميائية، فأدرك الإنسان في لحظة دهشة كبرى أن ذرة الحديد التي تصبغ كرات دمه الحمراء باللون القاني، وتمنحه سر الحياة، هي ذاتها مادة الحديد المنتشرة في قلب النجوم المستعرة والمنبثة في أعماق الكون الفسيح، وأن أثر السماء علينا ليس تنجيمًا للحظوظ، بل هو ترابط وثيق يمتد إلى أصل التكوين.

هذا التحول الجذري في الوعي الكوني قادنا إلى حقيقة لا يشك في صحتها: الكون وحدة متكاملة، ونحن جزء لا يتجزأ من نسيجه المترابط، فلم تعد الحوادث الكونية من الفلكيات المنعزلة، بل غدت أي زحزحة في أطراف هذا الكون تتردد أصداؤها في عمق كرتنا الأرضية، ولعل في هذا المثال الافتراضي ما يوضح البون الشاسع بين الفهمين القديم والحديث؛ فلو افترضنا أن الشمس غربت، وبعد عشر دقائق من غيابها أشرقت مرة أخرى بصورة مباغتة من جهة المغرب، واستقرت في الأفق عشر دقائق، ثم تعود أدراجها لتغرب ثانية من حيث غربت أولًا، لكان هذا الحدث في الوعي الإنساني لما قبل عصر النهضة مجرد لوحة سينمائية سماوية، أو إشارة تنبؤية مرعبة نرقبها بذهول كما نرقب شاشة التلفاز، دون خوف من أثر ميكانيكي ملموس يمس تضاريس واقعنا على الأرض، سوى تغير في الظلمة والنور نتيجة غروب الشمس وشروقها، ومن ثم غروبها مرة أخرى.

أما اليوم، وفي ظل معارفنا الفيزيائية الحديثة، فإن هذا الفهم الساذج يتلاشى ليحل محله إدراك لسيناريو مروع؛ إذ إن إشراق الشمس من مغربها لعشر دقائق ليس مجرد رسالة تنجيمية عابرة، بل هو إعلان صريح بأن الأرض قد كبحت جماح دورانها المغزلي حول نفسها فجأة؛ فبعد أن كانت تسير في حركتها الاعتيادية صوب الشرق بسرعة هائلة تخترق حاجز الألف والستمائة والسبعين كيلومترًا في الساعة (1670 كم/س) عند خط استوائها، تُجبر بغتة على التوقف التام، لتعكس مغزلها وتتسارع بالسرعة الرهيبة ذاتها في الاتجاه المعاكس صوب الغرب، قبل أن ترتد مجددًا إلى طبيعتها الأولى بعد انقضاء الدقائق العشر.

هذا التذبذب الميكانيكي الفجائي العنيف كفيل بأن يوقظ وحش "القصور الذاتي" الكامن في الأحشاء؛ فحين تتوقف القشرة الأرضية الصلبة وعموم التضاريس في رمشة عين لتغير وجهتها، تعجز عجزًا مطلقًا عن لجم ما فوق ظهرها؛ لتنطلق المحيطات الهادرة، والغلاف الجوي، والمدن الشاهقة صوب الشرق مستمرة في اندفاعها الأصلي بتلك السرعة الهائلة البالغة 1670 كم/س، وهي سرعة تفوق عصف أعنف الرياح الأرضية، وتتجاوز جدار الصوت بمراحل.

في تلك الدقائق المعدودة، تغادر البحار أحواضها وتندفع فوق اليابسة كأمواج تسونامي عملاقة تطمس معالم الحضارة، وتجتاح الأرض رياح عاتية تخرق جدار الصوت وتكشط وجه البسيطة كأن لم تغنَ بالأمس، وتحت وطأة هذا الضغط الميكانيكي المباغت، تئن الصفائح التكتونية وتتفكك روابطها، فتنطلق زلازل مدمرة لم تشهدها الأرض قط، وتنفجر أحشاء الكوكب ببراكين هادرة تقذف حممها في غضب كوني عارم، ومما يضاعف هذا الهلاك ويختم بالويل على هذا العالم، أن عودة الشمس لغروبها الثاني تفرض على الكوكب كبحًا فجائيًا معاكسًا، لتتكرر المأساة في الاتجاه المقابل، في ملحمة دمار مزدوجة تطوي صفحة الحياة المستقرة على هذا العالم إلى الأبد.

هذا هو الفارق بين فهمنا للكون قبل النهضة العلمية وبعدها، وكما نرى فالفارق كبير جدًا، تعجز الكلمات عن وصفه، لقد انتقل الإنسان من رعب التنجيم وتأويل النجوم إلى خشوع أمام هذه القوانين التي تسود هذا الكون؛ فالاستقرار الذي ننعم به على كرتنا الأرضية ليس بديهية مجانية، بل هو نتاج تناغم دقيق وصارم لقوانين فيزيائية موحدة، فأي تغير في حركة الشمس أو القمر أو الكواكب الأخرى سيؤثر في كوكبنا أيما تأثير.

إن العلم الحديث، بقدر ما كشف لنا عن مخاوف الطبيعة، فإنه يقف اليوم ليدعم بقوة وبراهين لا تقبل الشك وجود خالق واحد أحد لهذا الكون العظيم؛ إذ يتجلى ذلك بوضوح في وحدة المكون المادي الذي يصوغ أجرامه، ووحدة القوانين الصارمة السائدة في أرجائه، والمدهش حقًا أن سطوة هذه القوانين ووحدتها ليست سارية ومتجذرة في رقعة المكان الفسيح فحسب، بل هي ممتدة عبر الزمان أيضًا، منذ أن تفتقت رتوق المادة الأولى ونشأ الكون، وإلى أن يطوي الزمان سجلاته وينتهي إلى غايته، وبفضل هذا التناغم والاطراد، لم يعد الكون طلاسم مبهمة أو لغزًا عصيًا على عقولنا وفهمنا بصورة كاملة، بل غدا كتابًا مفتوحًا بليغًا، يشهد كل سطر في فيزيائه وكيميائه ببدائع الصنع، ووحدانية الصانع جل جلاله.

الأكثر قراءة

z