حملة تبصير.. بناء الوعي قبل صناعة المحتوى الرقمي

 

 

عادل بن سالم الحمداني**

أتصور أن أكثر ما يشغل بال أي أب أو أم فيما يتعلق برعاية أطفالهم أمران أساسيان: أن يعيش الأبناء حياة كريمة، وأن يكونوا في مأمن مما قد يؤذيهم. لذلك، يحدث بعفوية أن يمر الوالدان على الأبواب والنوافذ، يتأكدان من الأقفال، ويطمئنان إلى كل شيء في البيت. تلك طقوس يومية في كل بيت تقريبًا، تمنح الوالدين راحة نفسية وهما يشعران وكأن البيت أصبح حصنًا لا يمكن اقتحامه.

حتى وقت قريب، كانت تلك أكثر الطقوس العفوية انتشارًا، ولكن هل ما زالت كافية للشعور بأن الخطر لا يأتي إلا من خارج الأبواب؟

بالتأكيد لا. لم يعد كل ذلك كافيًا مع تغيّر مجريات الحياة وتدفق التكنولوجيا إلينا، وانهمار ما تحمله في طياتها كانهمار المطر في ليلة عاصفة. أصبحنا اليوم نرى أبوابًا لا تُغلق بمفتاح، فبين أيدينا نحمل هواتفنا الذكية وأجهزتنا المحمولة، التي أتت بالعالم إلينا، ووضعت أمامنا فرصًا وتحديات لم تكن تخطر ببال آبائنا وأمهاتنا. صرنا نواجه مخاطر أكبر مما كنا نخشى قدومها من خارج أسوار البيوت.

تغيّرت المعادلة كثيرًا؛ فبات الكبار والصغار يحملون بين أيديهم هواتفهم وأجهزتهم لدرجة أن البعض انغمس بعمق فيها، فأصبحت رفيقًا دائمًا لا يستطيعون الابتعاد عنها، ولا يشعرون بلذة يومهم إن لم يقضوا بضع ساعات في فضائهم الرقمي. وغدت التطبيقات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

هل يعني ذلك أنها أصبحت عدوًا يجب القضاء عليه؟ الإجابة المنطقية: لا.

المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي ولا في التطبيقات الرقمية، فما هي إلا أدوات نحن من يتحكم في طريقة استخدامها، مثلها مثل أي شيء آخر نستخدمه في حياتنا اليومية. علينا أن نسأل أنفسنا قبل أي شيء آخر: كيف نستخدم تلك الأدوات بالطريقة المُثلى دون أن نسمح لها أن تُسبب الأذى لنا ولمن حولنا؟

وربما سيسأل البعض: من أين سيأتي الضرر؟ وهو تساؤل منطقي.

في تراثنا العربي بيت شعر ما يزال صالحًا لكل زمان: "كل الحوادث مبدأها من النظر.. ومعظم النار من مستصغر الشرر". اليوم في العصر الرقمي، يمكن القول إن معظم الحوادث تبدأ من ضغطة زر. صورة نشاركها قبل التحقق منها، تعليق جارح في لحظة غضب، مقطع فيديو مبتور، أو معلومة مضللة ننقلها دون وعي. قد يبدو الأمر بسيطًا، وقد لا نستشعر ما سيحدث لاحقًا، ولا ندرك الأذى الذي قد يلحق بالآخرين؛ تشويه سمعة إنسان، أو ترويج شائعة، أو نشر كراهية، أو التعدي على خصوصية الآخرين.

كثيرة هي الأضرار التي وقعت لمجرد أن من تسبب بها ظن أنه لم يقم إلا بفعل صغير جدًا لا يستحق التفكير فيه كثيرًا. الأمر في حقيقته يعود إلى أن "معظم النار من مستصغر الشرر".

من هنا تبرز أهمية حملة "تبصير"، المبادرة الوطنية التي تنفذها وزارة الإعلام بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية وهيئة تنظيم الاتصالات وشرطة عُمان السلطانية، انسجامًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في بناء مجتمع معرفي أكثر وعيًا ومسؤولية. هذه الحملة تتجاوز مسألة تقديم رسائل توعوية عابرة، إلى بناء ثقافة رقمية متكاملة، تجعل من التحقق من المعلومات، واحترام خصوصية الآخرين، والالتزام بالقيم والقوانين، جزءًا جوهريًا من السلوك اليومي للأفراد.

بعبارة أخرى، حملة "تبصير" تتعامل مع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارهم شركاء في صناعة الفضاء الرقمي، فهي بمثابة دعوة للتفكير والتأمل فيما نكتبه أو نشاركه مع الآخرين، وهي تذكير بأن استخدامنا للأدوات الرقمية أساسه الأول هو الوعي قبل النشر.

من خلال ما تم إنجازه في المرحلتين الأولى والثانية من هذه الحملة، يمكن رصد سعي "تبصير" لصنع أكبر قدر ممكن من الوعي، وتعزيز الاستخدام المسؤول والآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، والحد من تداول الشائعات، وترسيخ السلوك الرقمي الإيجابي، وحماية خصوصية الأطفال؛ لضمان بيئة إلكترونية آمنة للجميع.

تقول الدكتورة أمل النوفلي، المديرة العامة للإعلام الإلكتروني، في حديثها لإذاعة سلطنة عُمان، إن حملة "تبصير" هي إحدى المبادرات الوطنية التي خرجت بها الورشة التطويرية التي أطلقتها وزارة الإعلام بعنوان "نحو إطار وطني للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الناشئة". ومن هذا نلحظ إدراك القائمين على هذه الحملة أهمية توعية هذه الفئة، وبقية الفئات المجتمعية، وتحصينها من المخاطر الناجمة عن الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق، ترى الدكتورة أمل النوفلي أن استهداف الناشئة في المراحل الأولى من هذه الحملة يقوم على أساس أن هذه الفئة هي "الأكثر تفاعلًا مع المحتوى الرقمي، وكذلك الأكثر قابلية للتأثر بالمحتوى، وأيضًا لأنها أكثر فئة ينقصها الوعي والإدراك بالاستخدام الآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي غير مدركة للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستخدام السلبي".

اليوم لم تعد المسألة مرتبطة بقدرتنا على النشر، فذلك متاح للجميع. التحدي الأكبر هو: الوعي قبل النشر، وهنا يكمن الفارق بين مستخدم عادي، ومستخدم مسؤول. لذلك تتعامل الحملة مع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارهم شركاء في صنع بيئة رقمية آمنة. وتتعامل مع الذين تستهدفهم وفق ما هم عليه في الواقع: ناشرين وصانعي محتوى ومصدرًا للمعلومات، لذا وجب توعيتهم وتذكيرهم بدورهم المنشود في الفضاء الرقمي، ولفت نظر الفئة الأكثر حاجة إلى التوعية إلى ما هم بصدد التعامل معه.

ومن خلال ما ذكرته الدكتورة أمل في مقابلتها الإذاعية، فإن الحملة ستوجه رسائلها إلى الأسرة، كونها الحاضن الأول للطفل، وهي القادرة على توجيهه، وبالتالي تستطيع أن توجه الطفل إلى الاستخدام الأمثل كذلك. بعبارة أخرى، ستكون لجميع الفئات المجتمعية رسالتها التوعوية، فالكل مطالب بإدراك كيفية التعامل بنضج مع ما يحمله الفضاء الرقمي، الذي لا يُميز بين أحد من أفراد المجتمع، فجميعهم معرضون للخطأ إذا غاب الوعي عنهم.

أعتقد أن نجاح هذه الحملة يمكن أن يتحقق إذا ما استطاعت دفع مستخدمي التقنيات الحديثة إلى التوقف لحظة قبل أي عملية نشر؛ ليسألوا أنفسهم: هل ما سأنشره سيضيف شيئًا نافعًا أم سيؤثر على الآخرين ويضرهم؟ وهل سيزيد من جودة الفضاء الرقمي، أم سيزيده صخبًا؟

إذا نجحت حملة "تبصير" في تحقيق تلك اللحظة، يمكن القول إنها نجحت في مساعيها. عندها لا حاجة لقياس النجاح بعدد الرسائل المنشورة، ولا بعدد المشاهدات أو المشاركات. وإذا ما استطاعت جعل تلك التساؤلات لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عادة يومية، فإنها تكون قد أسهمت في بناء ثقافة رقمية أكثر نضجًا ومسؤولية، وبذلك يكون لدينا مجتمع يدرك أن حماية أفراده لم تعد مقتصرة على إغلاق الأبواب والنوافذ، وأن صناعة مستقبل رقمي آمن تقوم في المقام الأول على بناء الوعي، قبل صناعة المحتوى الرقمي.

**كاتب وإعلامي عُماني

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z