محمد رامس الرواس
تزخر محافظة ظفار بأشجار ونباتات وزهور نادرة قلَّ أن تجتمع في بقعة جغرافية واحدة، فمن شجرة اللبان التي صنعت تاريخ التجارة العالمية، إلى نبات الزغر المستوطن، وآسطاح النادر، وسحلب حرجود، وأنواع الصبر العُمانية، والضجع المكتشف حديثًا، تتجلى ثروة نباتية فريدة تجعل من ظفار متحفًا طبيعيًا مفتوحًا، ومقصدًا للباحثين وعلماء النبات من مختلف أنحاء العالم. وقد أسهم الباحث أحمد مسلم سوحلي جعبوب في توثيق العديد من هذه الكنوز النباتية، وإبراز قيمتها العلمية والبيئية من خلال أبحاثه الميدانية المتواصلة وسعيه الدؤوب.
ولقد هيأت الخصائص المناخية الفريدة لمحافظة ظفار، والمتمثلة في تأثير الرياح الموسمية، وتنوع تضاريسها بين الجبال والأودية والسهول والسواحل، بيئة استثنائية لنمو مئات الأنواع من النباتات والأشجار والزهور، بعضها لا يوجد إلا في هذه البقعة من العالم، وهو ما يمنح ظفار قيمة بيئية وعلمية عالمية تستحق مزيدًا من الدراسة والحماية.
وفي هذا الجانب، يواصل صديقنا الباحث البيئي أحمد مسلم سوحلي جعبوب جهودًا مميزة في توثيق النباتات النادرة بمحافظة ظفار، والكشف عن أنواع مستوطنة لا تزال تثير اهتمام المؤسسات العلمية والباحثين. وقد أسهمت كتاباته وأبحاثه في التعريف بعدد من النباتات الفريدة، وإبراز أهميتها البيئية، مؤكدًا أن ظفار ما زالت تخبئ بين جبالها وأوديتها كنوزًا نباتية لم تُكتشف جميعها بعد، وهي نوادر نباتات ظفار. ومما ذكره لي الباحث المثابر أحمد منها: (هودم)، وهو الحبق الظفاري، نوع من الريحان البري، و(أشثعين)، نوع من العصاريات النادرة والحصرية في ظفار وجنوب شرق اليمن، و(طووف وسيقل)، من أندر أنواع الألوة عالميًا، وهي خمسة أنواع في ظفار، و(إيشدوت)، ضجع ريسوت حليبي الزهور النادر، و(هريان أكلون)، أربعة أنواع من الخزامى الظفارية العطرية، وهي أنواع حصرية في ظفار، و(حبَّرادي أصفر) الزهور، نوع حصري لم يُسجل عالميًا إلا في ظفار بولاية رخيوت، و(سغوت أو الميشط)، من أشهر نباتات السلطنة، لم يُسجل إلا في ظفار وأجزاء من جنوب شرق اليمن، وهو من النباتات الطبية المطهرة ذات الشهرة الواسعة في ظفار.
بالإضافة إلى (هودم أثيرين)، أيضًا من نوادر نباتات العالم، وموطنه ظفار، و(هودم أنحروت)، من النباتات العطرية التي تُستخدم كمستحضر للتجميل في ظفار، و(مطنين)، نبات عطري واسع الاستخدام في الطب التقليدي، وهو المريمية المصرية، و(مكيجيه)، من نوادر النباتات، وهي الباوباب الأفريقية، واسمها العربي الكلهمة، والمشهورة باسم التبلدي، وهي أضخم النباتات في ظفار، و(حبسير)، نبات عشبي سام نادر، ومسجل حصريًا في ظفار، تموت منه الأغنام إذا أكلته، ويعيش مع الأعشاب النجيلية.
إن هذا الإرث الطبيعي لا يمثل قيمة بيئية فحسب، بل يحمل فرصًا اقتصادية وسياحية واعدة إذا ما أُحسن استثماره، من خلال برامج البحث العلمي، والسياحة البيئية، والتعليم، والمحافظة على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن من الأفكار الجديرة بالدراسة إنشاء "مزرعة ظفار السياحية للنباتات والزهور والأشجار النادرة"، لتكون مشروعًا وطنيًا يجمع بين السياحة والبحث العلمي والحفاظ على البيئة. ويمكن أن تضم المزرعة حدائق للنباتات المحلية، ومشتلًا لإكثار الأنواع النادرة، ومركزًا للتوعية البيئية، ومسارات تعليمية للزوار، إضافة إلى معرض دائم يوثق النباتات الظفارية وقصص اكتشافها، بما يجعلها وجهة سياحية وعلمية فريدة على مستوى المنطقة.
ختامًا، إن محافظة ظفار تمتلك كل المقومات لتصبح عاصمةً للسياحة البيئية في الجزيرة العربية، وليس أجمل من أن تتحول كنوزها النباتية إلى رسالة حضارية تؤكد أن حماية الطبيعة ليست واجبًا بيئيًا فحسب، بل استثمارٌ في المستقبل، وحفاظٌ على هوية المكان، وإرثٌ يستحق أن يبقى نابضًا بالحياة للأجيال القادمة.
