السياحة الطبية.. فرصة استراتيجية لربط الصحة بالاقتصاد

 

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني**

 

تمثل السياحة الطبية والصحية أحد القطاعات الواعدة التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد عالميًا، ليس فقط باعتبارها خدمة علاجية، وإنما كمنظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بالاستثمار، والسياحة، والنقل، والتأمين، والتعليم، والتدريب، وتسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز القدرة التنافسية للدول.

وانطلاقًا من أهمية هذا القطاع، بدأت لجنة الصحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان في إعداد فهرس للمحاور والمواضيع الرئيسة التي تشكل الأساس لبناء البنية التحتية لمنظومة السياحة الطبية والصحية في سلطنة عُمان، بما ينسجم مع أهداف رؤية "عُمان 2040"، ويربط القطاع الصحي بمختلف القطاعات الاقتصادية.

إن تطوير السياحة الطبية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز إنشاء المنشآت الصحية فقط، لتشمل بناء منظومة متكاملة قادرة على استقطاب المرضى والمستثمرين من المنطقة والعالم، من خلال تطوير المستشفيات والمراكز التخصصية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص.

كما أن نجاح هذا المشروع يعتمد على التكامل بين عدة قطاعات، منها قطاع الطيران والنقل، والقطاع الفندقي والسياحي، وشركات التأمين، والخدمات اللوجستية، والتعليم الطبي، بحيث تتحول رحلة المريض إلى تجربة متكاملة تبدأ من الوصول إلى السلطنة، مرورًا بالخدمات العلاجية والتأهيلية، وانتهاءً بالإقامة والاستشفاء.

وتملك سلطنة عُمان العديد من المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للسياحة الطبية والصحية؛ فهي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وبيئة آمنة ومستقرة، وسمعة دولية متميزة في العلاقات التجارية والثقافية، إضافة إلى طبيعتها المتنوعة التي توفر فرصًا كبيرة في مجالات الاستشفاء والعلاج الطبيعي والراحة الصحية.

كما أن العلاقات التاريخية بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند، وما تتمتع به الهند من خبرات متقدمة في مجالات الطب والرعاية الصحية، تفتح آفاقًا واسعة للتعاون في مجالات العلاج التخصصي، وإنشاء المراكز الطبية المشتركة، وتبادل الخبرات، وتطوير الكوادر الوطنية.

ومن الجوانب المهمة التي يجب التركيز عليها دور قطاع التأمين الصحي، باعتباره أحد المكونات الأساسية لاستدامة السياحة الطبية، من خلال تطوير منتجات تأمينية متخصصة، وبناء شراكات مع المؤسسات الصحية الدولية، وتسهيل حصول المرضى على خدمات علاجية وفق معايير واضحة.

كما يتطلب المشروع إعداد إطار تنظيمي وتسويقي متكامل، يحدد معايير الجودة والاعتماد، وآليات جذب المرضى الدوليين، والترويج للسلطنة كوجهة موثوقة للرعاية الصحية، مع الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية لضمان استدامة القطاع.

إن السياحة الطبية والصحية ليست مجرد مشروع صحي، بل هي مشروع اقتصادي وتنموي يربط بين الإنسان والاستثمار والمعرفة. ومن خلال التخطيط المشترك بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، يمكن لسلطنة عُمان أن تبني نموذجًا متميزًا يجمع بين جودة الرعاية الصحية، وجاذبية السياحة، والفرص الاقتصادية، بما يعزز مكانتها الإقليمية والدولية.

إن المبادرة التي بدأت بها لجنة الصحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان لوضع إطار المحاور الرئيسة لهذا المشروع تمثل خطوة مهمة نحو صياغة رؤية وطنية متكاملة، تجعل من القطاع الصحي أحد محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في السلطنة.

 

**نائب رئيس لجنة الصحة بغرفة تجارة وصناعة عُمان

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z