حمود بن سعيد البطاشي
لم يعد الضجيج في عصرنا مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أصبح صناعةً متكاملة. تُصنع له المنصات، وتُفتح له الشاشات، وتُمنح له المساحات، حتى بات المشهد العام يُدار بمنطق من يرفع صوته أكثر، لا بمن يملك فكرًا أعمق. وفي خضم هذا الصخب، يتراجع العقل الهادئ إلى الصفوف الخلفية، لا لأنه أقل قدرة، بل لأنه يرفض أن يجعل من الحكمة وسيلةً للمزايدة، أو من الكلمة سلعةً تُباع في سوق الإثارة.
هذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة زمن. فقد اختلت الموازين حتى أصبح الانفعال يُقدَّم على الاتزان، والانتشار يُفضَّل على القيمة، وسرعة الرد تُحسب إنجازًا، ولو جاءت على حساب الحقيقة. وغدا كثيرون يقيسون نجاح الأفكار بعدد الإعجابات، لا بقدرتها على تغيير الوعي، وكأن الحقيقة تحتاج إلى جمهور حتى تصبح حقيقة.
العقل الهادئ لا يهرب من المواجهة، لكنه يدرك أن كل معركة لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الانتصارات الظاهرة ليست سوى هزائم مؤجلة. لذلك يختار كلماته كما يختار القائد المتمرس لحظة العبور؛ لا يستعجل، ولا يندفع، ولا يسمح للغضب أن يكتب نيابةً عنه. ولهذا يبدو، في أعين المستعجلين، مترددًا، بينما هو، في الحقيقة، أكثرهم ثقة بنفسه.
ولأن زمن السرعة لا يحب الانتظار، فقد أصبح التأمل تهمة، والصمت علامة استفهام، والرأي المتزن مادةً لا تجذب جمهورًا اعتاد الإثارة أكثر من اعتياده التفكير. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية؛ ليست خسارة العقل الهادئ، بل خسارة المجتمع الذي يستبدل الحكمة بالضوضاء، والوعي بردود الفعل، والبصيرة بالعناوين الصاخبة.
إن التاريخ لا يتذكر من أحدث الضجيج، بل من أحدث الأثر. وما أكثر الأصوات التي ملأت الدنيا صخبًا ثم اختفت، وما أقل الكلمات التي كُتبت بهدوء، لكنها بقيت تصنع الوعي جيلًا بعد جيل. فالزمن منصفٌ أكثر مما نظن؛ يمنح الضجيج لحظته، لكنه يمنح الحكمة خلودها.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس كثرة الضجيج، بل اعتياده عليه، حتى يصبح الهدوء غريبًا، والعقلانية استثناءً، والتفكير العميق ترفًا لا يجد له مكانًا في سباق اللحظة. وعندما تصل الأمم إلى هذه المرحلة، فإنها لا تفقد أصواتها، بل تفقد بوصلته.
لهذا لا أؤمن أن العقل الهادئ يخسر، بل أؤمن أنه يدفع ثمن تمسكه بقيمٍ لم تعد رائجة في زمن الاستهلاك السريع للكلمة. يخسر الأضواء أحيانًا، لكنه يكسب الاحترام. يتأخر عن التصفيق، لكنه يسبق الجميع إلى صناعة الأثر. وبين من يملأ الآذان بالضجيج، ومن يملأ العقول بالفكر، يبقى الفرق شاسعًا، كما يبقى الفرق بين من يلفت الانتباه، ومن يستحق البقاء.
ولعل أعظم ما يحتاجه هذا الزمن ليس مزيدًا من المتحدثين، بل مزيدًا من المفكرين. فالأمم لا تبني مستقبلها بالصوت الأعلى، وإنما بالعقل الأرجح، ولا تنهض بمن يُجيد إثارة الجدل، بل بمن يُحسن صناعة الوعي. وعندما يدرك الإنسان أن قيمة الكلمة فيما تتركه من أثر، لا فيما تحدثه من ضجيج، سيدرك أن العقل الهادئ لم يكن يومًا هو الخاسر... بل كان آخر الحراس الواقفين على بوابة الحكمة.
