نحو نظام أمني خليجي جديد

حاتم الطائي 

هناك مفاهيم ومواقف أمنية خاطئة سيطرت على المنطقة لحماية الكيان الصهيوني

بعض المُسلّمات التي حكمت العلاقات الإقليمية والدولية لعقود آن لها أن توضع محل النقاش

الدعوة إلى بناء منظومة أمنية خليجية وإقليمية شاملة يجب أن تتحول إلى تحرك إقليمي فاعل

 

الحديثُ عن المنظومة الأمنية الخليجية ظلَّ -وما يزال- هاجسًا يُؤرِّق قادة دول المنطقة، ويُسهم بدور حاسم في ترتيب الملفات ذات الصلة، وعلى مدى عقود ممتدة ترسَّخت منظومة أمنية خليجية تعتمد في جُلِّها على الحماية الأجنبية، مع توسُّع عدد من دول الخليج في بناء قواعد عسكرية لقوى عالمية كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، حتى صار الأمن الخليجي برمَّته مرهونًا لقرارات القيادة المركزية الأمريكية؛ الأمر الذي وضع المنطقة فوق بركان من التحديات الأمنية المُتشابكة.

ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، وهذه المنظومة الأمنية الخليجية تتعرض للانتهاك، واختراق السيادة، والتهديد المباشر، بل والقصف والتدمير لمواقع عسكرية وحيوية؛ إذ تسبب وجود القواعد الأمريكية في عدد من دول المنطقة في أن تكون هذه الدول ذاتها في مرمى نيران القوات الإيرانية، خاصةً وأن الكثير من الهجمات التي تستهدف البنية التحتية العسكرية أو المواقع النووية أو غيرها من نقاط الاستهداف في إيران، تنطلق من القواعد الأمريكية بالخليج. هذا الاختراق الخطير للأمن الخليجي وتعدُّد الاستهدافات العسكرية لدول المنطقة، تسبب في زيادة الهشاشة الأمنية والعسكرية، فعوضًا عن أن كثيرًا من هذه الدول تعتمد اعتمادًا مُفرطًا على القدرات العسكرية الأمريكية، دون توطين فعلي وحقيقي لإمكانياتها العسكرية وقدرتها الدفاعية الوطنية الخالصة، تتفاقم التحديات الأمنية الخليجية في ظل غياب اتفاقية مُلزمة بعدم الاعتداء بين إيران ودول الخليج، وهو مطلب دعت إليه سلطنة عُمان بُعيد نشوب الحرب. والحقيقة أن هذا المطلب الواقعي يوفر قدرًا كبيرًا من صون السيادة، وضمان عدم اختراق الصواريخ والمسيَّرات للأجواء الخليجية، وفي الوقت نفسه يضمن لإيران منع أي هجمات أمريكية تنطلق من القواعد العسكرية المتمركزة في دول الخليج.

غير أن اهتزاز المنظومة الأمنية والعسكرية الخليجية، بالتوازي مع ركون دول المنطقة إلى الاعتماد شبه الكامل على الحليف الأمريكي، أفضى إلى زلزلة الأسس الأمنية والعسكرية التي من الواجب أن تستند إليها دول الخليج في الحفاظ على أمنها واستقرارها.

وهذا الخلل الهيكلي والعضوي في تلك المنظومة، نابعٌ في الأساس من فرضية أمريكية خاطئة ترى في إيران تهديدًا وجوديًا لدول المنطقة والمصالح الغربية، ولذلك، ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، كرَّست واشنطن نظرية "احتواء إيران"، وعزَّزت مخاوف دول الخليج مما يُزعَم بأنه "مساعي تصدير الثورة الإيرانية"؛ الأمر الذي أدّى إلى وضع إيران في خانة "العدو"، أو في أحسن الظروف "الجار غير الصديق"، رغم محطات التباعد والتقارب بين إيران وعدد من هذه الدول. وبينما لم تُبدِ إيران -طيلة 47 عامًا- أي مظهرٍ من مظاهر "تصدير الثورة" -بغض النظر عن الخطاب الإعلامي الدعائي- فإن دول الخليج لم تتراجع قيد أُنملة عن موقفها تجاه إيران، بل وسمحت باستخدام القواعد الأمريكية على أراضيها لضرب الجمهورية الإسلامية. هنا كان منطقيًا من الطرف الآخر -أي إيران- أن يُقابل الضربات بضربات مُضادة، واستهدافات مباشرة، مهما زعمت الأطراف الخليجية أنها لم تسمح باستخدام أراضيها كمنصات لإطلاق الهجمات الأمريكية، لأن الشاهد في مثل هذا الموقف أن القوات الأمريكية، إن لم تكن تُطلق هجماتها من القواعد في الخليج، فإنها تستخدمها كمحطات لوجستية واستخباراتية، تتضمن غرف عمليات، وقواعد للسيطرة والتحكم في مجريات الحرب.

ولذلك نرى أن الدعوة الصادقة والصريحة التي أطلقها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، عبر مقالته الجريئة في صحيفة "لوموند" الفرنسية، بضرورة بناء منظومة أمن خليجي تقوم على إدماج جميع دول المنطقة الثمانية المُطلة على الخليج، بما في ذلك إيران، دون استبعادها بأي صورة من الصور، بالتوازي مع عقد مناقشات "صريحة وربما صعبة"، بل و"مراجعة متوازنة" مع الشركاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. نحن هنا لسنا إزاء دعوة دبلوماسية لاستعادة أجواء الحوار وفتح باب النقاش، وإنما أمام نداء صادق لتحوُّل جذري في المفاهيم والمواقف التي ظلَّت مُهيمنة على المنطقة، وتسببت في اتخاذ قرارات، للأسف، لم تعكس مصالح دول الخليج ولا المنطقة، وإنما كانت تستهدف بالأساس حماية الكيان الصهيوني وفرضه على المنطقة وضمان تفوقه العسكري، حتى إن هذه القرارات لم تكن تخرج من عواصم خليجية أو من واشنطن، وإنما من تل أبيب حصرًا، وهو ما أكد عليه معالي السيد بدر في مقالته.

ولم يعد خافيًا على ذي لبٍّ أن منطقة الخليج باتت الآن ساحة لحرب إرادات، وهو ما نؤكد عليه مرارًا، ومن المؤسف أن هذه الحرب لا تضع المصالح الخليجية في عين الاعتبار، وإنما الجميع يتصارع من أجل تحقيق مكاسبه الخاصة، ولذلك فإن "مراجعة بعض المُسلَّمات" التي حكمت العلاقات الإقليمية والدولية لعقود، آن لها أن توضع محل النقاش، وألا نكتفي بالامتعاض والبكاء على الأطلال، ولا أن نتكئ على جدار المظلومية التاريخية وأننا شعوب مغلوب على أمرها. وهذا النقاش الجريء، والذي لا مفر منه، لا يهدف بأي حالٍ من الأحوال إلى إهالة التراب على علاقات استراتيجية متجذرة، تخدم مصالحنا المشتركة، وإنما المسعى الحقيقي هو أن نُعيد التوازن إلى هذه العلاقات، تأسيسًا على الوقائع التي أفرزتها المتغيرات الجيواستراتيجية والجيوسياسية، التي ما تزال تتشكل مع الحرب القائمة، التي لم تضع أوزارها بالكامل بعد.

الرؤية العُمانية التي طرحها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، تتسم بالشمولية؛ إذ تربط الأمن الخليجي بأمن الممرات الملاحية، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب، وكذلك في المحيط الهندي، وهي المنطقة الكبيرة التي تمثل قلب العالم، وتمر من خلالها أبرز خطوط الملاحة الدولية والإقليمية، ولا يُمكن أن نراها سوى همزة الوصل بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. وأيُّ بناء لنظام أمني متكامل يجمع كل دول هذه المنطقة المترامية الأطراف، سيُحقق المنفعة لشعوبها، ويخدم مصالحها الوطنية العُليا، وليس المصالح الغربية، على خلاف ما يحدث منذ عدة عقود.

ويبقى القول.. إنَّ بناء منظومة أمنية خليجية وإقليمية شاملة، تُلبِّي التطلعات الوطنية لكل دولة، وتحمي مصالحها الحيوية، وترسم مستقبل الأجيال القادمة، يجب أن يتحول من دعوة صادقة إلى تحرك إقليمي فاعل، ولا يُنازعني شك بأن الدبلوماسية العُمانية قادرة على قيادة هذه المبادرة، وحشد الجهود لوضع الأُسس المتينة لهذه المنظومة، من منطلق الحكمة العُمانية المُتجذِّرة، والقائمة على نهج الحياد الإيجابي، وتحقيق المصالح المشتركة؛ بما يضمن رخاء واستقرار هذه المنطقة، فقد آن الأوان لأن ينعم الإقليم بمقدراته وحمايتها من النهب والابتزاز والدمار الذي استمر لعقود طويلة.

 

الأكثر قراءة

z