ليس أصعب من أن تواسي الناس.. وأنت أكثرهم انتظارًا

 

 

ميمونة الجابرية

في كل صباح، تُوقظ طفلها، وتجهز دواءه قبل حقيبته، وتراقب تفاصيل يومه كما تراقب الأم نبض قلبها. تحفظ مواعيد المستشفيات، وتعرف أسماء الأدوية عن ظهر قلب، وتقرأ في عينيه سؤالًا لا يستطيع نطقه. ثم تعود إلى غرفتها، فتقع عيناها على شهادة جامعية معلقة على الجدار. تمر السنوات.. وتبقى الشهادة معلقة في مكانها. أما الوظيفة، فلم تأتِ.

هذه ليست قصة امرأة واحدة، بل قصة مئات خريجات علم الاجتماع وعلم النفس، اللواتي تعلمن كيف يخففن أوجاع الآخرين، بينما لم يجدن من يخفف عنهن وجع الانتظار.

إحدى هؤلاء الخريجات، ولنسمها (إ.س)، لم تكن الجامعة بالنسبة لها رحلة عادية. درست على حسابها الخاص خارج الوطن، وتعثر مشوارها بسبب ظروف صحية، فتوقفت سنوات قبل أن تعود لتبدأ من جديد. ثم انتقلت إلى بيروت، في سنوات لم تكن فيها المدينة هادئة، بل كانت تستيقظ كل يوم على أخبار لا تشبه أحلام الطلبة. ورغم كل ذلك، لم تتراجع. كانت تقول لنفسها: بقي القليل.

ثماني سنوات أو أكثر مضت، حتى أمسكت بالشهادة التي انتظرتها طويلًا، وظنت أن أصعب الطريق قد انتهى، لكنها اكتشفت أن الطريق الأصعب يبدأ بعد التخرج.

مرت سنة.. ثم سنتان.. ثم أعوام. وخلال تلك الأعوام، لم تتوقف عن التدريب والتعلم. كانت تؤمن أن الأخصائي الاجتماعي لا يصنعه الكتاب وحده، بل يصنعه الميدان أيضًا. وفي الوقت نفسه، كانت تخوض معركة أخرى لا يعرفها كثيرون.. فطفلها يعاني من اضطراب طيف التوحد، ومن مرض نادر في سيولة الدم. كانت تقضي ساعات طويلة بين المستشفيات، ثم تعود إلى منزلها لتبحث عن إعلان وظيفي جديد. كلما سمعت كلمة "شواغر"، عاد إليها الأمل، وكلما انتهى الإعلان، عاد الانتظار من جديد.

وهناك بدأت تكتشف المفارقة التي يعيشها كثير من الأخصائيين الاجتماعيين؛ فهم يقضون سنوات دراستهم يتعلمون كيف يواسون الآخرين، وكيف ينتشلونهم من اليأس، ويمنحونهم الأمل في أصعب الظروف، لكنهم عندما يعودون إلى واقعهم يجدون أنفسهم في المكان ذاته الذي كانوا يستعدون لمساعدة الناس على تجاوزه. يصبحون هم من يحتاجون إلى كلمة تطمئن قلوبهم، وإلى يد تمتد إليهم، وإلى فرصة تعيد إليهم الإيمان بأن سنوات العلم لم تكن رحلة إلى انتظار بلا نهاية.

فليس أصعب من أن تواسي الناس، وأنت أكثرهم انتظارًا.

لم تكن (إ.س) وحدها من تحمل هذه الحكاية. فهناك خريجة أخرى، سأرمز لها بـ(م.ع)، قالت جملة لم تغادر ذهني: "لسنا متعبين من الدراسة.. نحن متعبون من الانتظار." جملة قصيرة، لكنها تختصر سنوات من الاستعداد لكل إعلان، ومن إعادة الاختبارات، ومن تعليق الأمل على رسالة قد تصل، ولا تصل.

وحين تتكرر القصة بالألم نفسه، وإن اختلفت الأسماء، فإن القضية لم تعد مرتبطة بظروف فردية، بل أصبحت تطرح سؤالًا أكبر عن مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وعن الكيفية التي يُدار بها هذا الملف بما يحفظ أحلام الخريجين، ويلبي احتياجات المجتمع في الوقت نفسه. المؤلم في القضية ليس أن الوظائف قليلة، بل أن الأحلام كثيرة.

جامعات تفتح أبواب القبول عامًا بعد عام، ودفعات جديدة تتخرج، وشهادات جديدة تُعلَّق على الجدران، ثم يقف الجميع في الطابور نفسه، وكأن الزمن لا يتحرك. وإذا كانت احتياجات سوق العمل محدودة في بعض التخصصات، فهل آن الأوان لإعادة النظر في مواءمة أعداد المقبولين مع الاحتياج الفعلي، حتى لا يتحول الحلم الجامعي إلى سنوات طويلة من الانتظار؟ ومن يحاسب السنوات التي تضيع من أعمار هؤلاء الشباب؟

لا نعترض على أن تتطور جامعاتنا، أو أن تحقق مكانة علمية متقدمة، لكن الإنسان يجب أن يبقى دائمًا قبل التصنيفات العالمية، لأن نجاح المؤسسات التعليمية لا يُقاس بما تحققه من مراكز فحسب، بل بما تمنحه لخريجيها من فرص حقيقية لبناء مستقبلهم.

ولعل أكثر ما يؤلم، أن المجتمع يحتاج إلى هؤلاء أكثر مما يظن. فالأخصائي الاجتماعي، والباحث الاجتماعي، والأخصائي النفسي لا يبحثون عن وظيفة لمجرد الحصول على مسمى وظيفي، بل لأنهم يؤدون رسالة إنسانية تمس حياة الناس كل يوم. ففي المدارس، قد يكون الأخصائي أول من يلتقط معاناة طالب أخفى ألمه خلف صمته، والجسر الذي يقرّب بين الأسرة والمؤسسة التعليمية، واليد التي تمتد لحماية الأطفال من آثار التنمر والتفكك الأسري والاضطرابات السلوكية. كما يسهم الباحث الاجتماعي في دراسة قضايا المجتمع وتشخيص احتياجاته واقتراح الحلول التي تساعد على معالجتها. ولهذا، فإن توظيف هذه الكفاءات ليس مجرد توفير فرص عمل، بل استثمار في الإنسان، وفي مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

والسؤال الذي يؤلم أكثر: هل يعقل أن تكون مدارسنا بحاجة إلى احتواء مشكلات اجتماعية متزايدة، وأزمات أسرية، وحالات تنمر، واضطرابات سلوكية، بينما يبقى الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون على قوائم الانتظار؟ من الذي يخسر هنا؟ الخريج؟ أم الطالب الذي لم يجد من يستمع إليه؟ أم الأسرة التي كانت تحتاج إلى من يأخذ بيدها؟

ولا تقف معاناة هؤلاء الخريجين عند قلة الفرص فحسب، بل تمتد إلى رحلة التقديم نفسها. فمع كل إعلان وظيفي، يعود الأمل من جديد، ثم تعود معه المخاوف أيضًا. وقد أبدى عدد من المتقدمين ملاحظات حول آليات بعض الاختبارات، سواء من حيث دمج تخصصات مختلفة في اختبار واحد، أو ما صاحب بعضها من تحديات تقنية وضيق في الوقت. وهم لا يرفضون مبدأ الاختبار، بل يتطلعون إلى إجراءات أكثر عدالة وشفافية، تمنح كل متقدم فرصة حقيقية لإظهار كفاءته.

إن هذا المقال ليس مطالبة بوظيفة فحسب، بل دعوة لأن ننظر إلى هؤلاء الخريجين بعيدًا عن لغة الأرقام والإحصاءات.

وأعود إلى تلك الأم التي بدأت بها هذا المقال، ستوقظ طفلها صباح الغد كما فعلت اليوم، وستجهز دواءه قبل حقيبته، وستبتسم له حتى لا يرى تعبها، ثم تعود إلى غرفتها لتنظر مرة أخرى إلى شهادتها المعلقة على الجدار.

وكل ما تتمناه أن يأتي يوم تنزل فيه تلك الشهادة من مكانها، لا لتزيل عنها الغبار، بل لتذهب بها إلى أول يوم عمل.

فبعض المهن لا يخسر أصحابها وحدهم عندما تغيب عن مواقعها، بل يخسر المجتمع معها أياديَ كانت قادرة على أن تمنح الأمل، وتحتوي الألم، وتعيد التوازن إلى كثير من البيوت.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z