الشيخ العلّامة سعيد بن عامر الطائي أستاذًا للمحقق الخليليّ

 

 

ناصر أبوعون

هو الشيخ سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ البطاشي العقري النزوي، من مشايخ القرن الثالث عشر الهجري. وقد ورد ذكر مسائله الفقهية في مواضع شتى من موسوعة الشريعة الإسلامية، المسماة بـ"لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار"، للشيخ العلامة الفقيه الناظم أبي علي سالم بن سعيد بن علي بن سالم بن عبد الله الصائغي المنحي العُمانيّ.

 

المحقق الخليليّ بين الطائيّ والخروصيّ

أجمعت المصادر الشفاهيّة والمكتوبة أنّ الشيخ العلّامة سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ كان من علماء بوشر ورجال الفقه النجباء. عاصره العلَّامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، المولود سنة 1230هـ في بلدة بوشر، ولازمه في سني عمره الأولى، وتلقّى العلم على يديه؛ فبعد وفاة والده عهد به جدُّه في مطلع صباه إلى الشيخ سعيد بن عامر الطائيّ؛ فقرأ عليه "طهارة القلوب"، و"شرح لامية الولاية والبراءة"، و"شرح رائية الصلاة" لأبي نصر الشيخ عبدالله بن عمر بن زياد. فلمّا شبَّ العلّامة المحقق عن الطوق، وزاد نهمه إلى الغوص في بحر العلوم، تردّد على ولاية العوابي، بلدة العليا من وادي بني خروص؛ لينهل من معين صاحب موسوعة "العلم المبين وحقّ اليقين"، الشيخ ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي. وظلّ يتردد العلّامة المحقق ما بين بوشر وسمائل طوال حياته، ويجالس العلماء طلبًا للعلم. وحكى لي الشيخان راشد الإسماعيلي والشيخ خالد بن عبدالله بن سيف الخروصيّ، أنّ ناصر بن جاعد الخروصي كان يزور العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي في ولاية بوشر كلّما عاد من زنجبار مشتاقًا إلى عُمان وأهلها.

وكذلك اطلعنا على وثيقة في هيئة الوثائق عن قسمة ماء: «لنصف هذا الخريص الآخر، وهو من أملاك الشيخ سعيد بن بشير الصبحي. هذا ما صح معنا، كتبه سليمان بن ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد بيده. انتقل نصف هذا الماء الذي يباع ويشترى، وهو ثلاث شعيرات ماء، ونصف قياس ماء، وسبع قياسات ماء، عن هذا الخريص المملوك بعد لأحمد بن عبدالله بن هلال، وبأجرة نقله وفرقه، من نظر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وسعيد بن عامر بن خلف الطيواني». وكتبه الفقير إلى الله أحمد بن ماجد بيده.

أنموذج من فتاواه الفقهية

نسوق هنا مثالًا من فتاوى الشيخ العلّامة سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ، من خلال تسليط الضوء على إحدى مسائله المتناثرة في بطون كتب الفقه الإباضيّ؛ ومنها كتاب "لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار".

مسألة: فيمن غاب عن زوجه ولم يُعْلَم أين هو، فللحاكم أن يطلّقها، كان عادلاً أو جائرًا، وكذلك حُكّامه وولاته. فإذا غاب هذا الرجل عن زوجته، ولم تدرِ أين توجّه، ولم يكن له مالٌ، ولا وليٌّ، فجائزٌ للسلطان أن يُقيم له وكيلًا يحتجُّ عليه. وللزوجة خياران: إما أن تقوم بواجبها من ماله، إن كان له مال، أو يطلِّقها. فإن طلّقها الوكيلُ، فطلاقه صحيح على حسب هذا الوجه، وذلك إذا كان السلطان عادلًا، وحُكامه الذين جعل لهم ذلك يقومون مقامه. وإن كان السلطان جائرًا، فأرجو ألا يتعرّى من الاختلاف في جواز طلاقها مَنْ وَكَّلَه، وقوامه تبعٌ له، ويجري ما يجري عليه من الاختلاف. وعندي جائز الأخذ بالرخصة مع الحاجة إليها، عند عدم وجود الأَولى منه؛ لضررها، لما رُويَ عنه -عليه السلام-: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). ولا فرق في ذلك بين من غاب برًا أو بحرًا؛ إذ لا يُعلَمُ موضعه، ولا تناله الحاجة. والله أعلم.

WhatsApp Image 2026-07-15 at 1.15.23 PM.jpeg
 

 

أنموذج من آثاره العلميّة

يؤثر عن الشيخ العلّامة سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ أنه نسخ لنفسه العديد من أمهات الكتب؛ نذكر منها: "طهارة القلوب"، سنة 1262هـ، و"شرح لامية الولاية والبراءة" المنسوب إلى أبي بكر أحمد بن النظر العُمانيّ، وطلب من (علي بن مسلم بن حمودة الخميسي) أن ينسخ له "شرح رائية الصلاة" لأبي نصر الشيخ عبدالله بن عمر بن زياد. وقد خطّ الناسخ له ما أراد، وأثبت في آخرها عبارة: "تمّت، وهي هنا مائة بيت وأربعون، وكان شرحها وتفسيرها في سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، وكان الفراغ من نسخها يوم الجمعة، لثلاث وعشرين من جمادى الأولى، سنة 1267، على يد العبد الفقير المقر بالذنب والتقصير، علي بن مسلم بن حمودة الخميسي. نسختها من نسخة من خط الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عمر بن زياد بن أحمد الشقصي البهلوي. نسختها لشيخي الأجل العالم الورع سعيد بن عامر بن خلف الطيواني، اللهم فقهه في معانيها، إنك القادر المنان".

وذكر الباحث محمد بن عبدالله السيفي، صاحب كتاب "السلوى في تاريخ نزوى"، أن الشيخ سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ نسخ لنفسه مصحفًا، وخَطّ في خاتمته الآية رقم (115) من سورة الأنعام: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. وأورد في نهايته هذا التوقيع: "تمت رقاعة المصحف الكريم نهار رمضان سنة 1226 من الهجرة الإسلامية، بقلم الخادم سعيد بن عامر بن خلف الطيواني النزوي". ونسخة هذا المصحف تامّة من فاتحة الكتاب حتى سورة الناس، ومحفوظة بمكتبة السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي تحت رقم: 124.

كما نسخ لنفسه كتاب «طهارة القلوب»، وأورد أنه نسخه في بندر مسكد، الحادي عشر من شهر رمضان، سنة 1262 هجرية. السلوى، م1، ج1، ص269. وقد عثرت سلمى البطاشيّ -في مكتبة والدها الشيخ سيف بن حمود البطاشيّ الطائيّ- على ورقة بخط الشيخ سعيد بن عامر الطيواني، كتب فيها: "هذا الكتاب عندنا على سبيل العارية المردودة إلى أهلها، وهو للشيخ مسعود بن أحمد العوفي. نَسَخْتُهُ أنا الفقير إلى الله عبده سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح الطيواني البطاشي، تاريخ نهار الأربعاء، 17 ليلة خلون من شهر شعبان، سنة ست عشرة ومئتين وألف، من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام".

 

سمات شخصيته العلميّة

اشتهر عن الشيخ سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ أنه كان ورعًا تقيًّا، قابضًا على مكارم الأخلاق، فاشتهر بصدق الحديث، وصدق البأس، وأداء الأمانة، وصِلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، والتَّذَمُّم للصاحب، وقِرَى الضيف، ورأسهن الحياء. وذاع صيته بين معاصريه بصفات جليّة، وسمات عليّة، وأنوارٍ بهيّة؛ فقد كان مُذعنًا في طاعة ربّه، وعاملًا بالكتاب والسُّنة، وعارفًا بالنَّسخ والوِراقة، حاذقًا فيهما، بجانب اشتغاله بالعلم والفُتْيا. لقد كان الشيخ سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ (الطيوانيّ) أحوزيًّا، منكمشًا على أموره وعبادة ربّه، لا يعرف من الحياة إلا كل طريق لاحب، ويأنس بالعلم، وسلاحه التقوى، ويصدق فيه قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (لله درُّ التقوى، ما تركت لذي غيظٍ شفاء)، ويمتاح العلوم الفقهية، ويعبُّ من متونها، ويستقي الفتوى من آبارها، ويستقطر العلم من كل مرتع مُخصِب.

هجرة الطائيّ إلى إفريقيا (زنجبار)

انتهى المآل بالشيخ العلّامة سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطائيّ، واستقرت به الحال، مهاجرًا إلى غرب إفريقيا، لينضم إلى جحافل المتنوّرين العُمانيين، التي ما زالت تترى إلى اليوم أرسالًا وأشتاتًا، في موجاتٍ متتالية لا تنقطع أوصالها، ولا تخبو أنوار مصابيحها؛ رافعةً راية الإيمان، ومُبلّغةً رسالة الإسلام، تعبر بها دياجير المفازات والأصقاع، وتشقُّ تحت وميضها ظلمات الغابات، وتجدّف بأضوائها في بحر الظلمات؛ لتنير العقول التي ضرب الفقر والجهل سياجه عليها، وتؤلَّف القلوب التي باعدت العصبيات بين لابتيها.

الأكثر قراءة

z