الطبقة الوسطى العُمانية... إلى أين؟

 

 

د. سالم بن حسن الشنفري

في كل المجتمعات المستقرة، لا تُقاس قوة الاقتصاد بحجم الإيرادات العامة أو معدلات النمو فحسب، بل بمدى قوة الطبقة الوسطى واتساعها، فهذه الفئة تمثل العمود الفقري للمجتمع، والمحرك الرئيس للاستهلاك والإنتاج، والحاضنة الطبيعية للتعليم والاستقرار الأسري والحراك الاجتماعي، وحين تكون الطبقة الوسطى قوية ومزدهرة، ينعكس ذلك على حركة الأسواق، وثقة المستثمرين، واستقرار المجتمع بأكمله، أما عندما تتعرض للضغوط أو التآكل التدريجي، فإن آثار ذلك تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية الدولية أن قوة الطبقة الوسطى ليست مجرد قضية اجتماعية، وإنما عامل أساس في استدامة النمو الاقتصادي، فوفقًا لتقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تمثل الطبقة الوسطى الشريحة الأكثر إنفاقًا على التعليم والإسكان والخدمات، وهي المحرك الرئيس للاستهلاك المحلي والاستثمار في رأس المال البشري، كما تشير المنظمة إلى أن تراجع حجم الطبقة الوسطى أو ضعف قدرتها الشرائية يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي واتساع الفجوات الاجتماعية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياسات الأجور والإسكان والحماية الاجتماعية للحفاظ على هذه الفئة وتعزيز دورها.

إن الحديث عن الطبقة الوسطى يقصد به المعلم، والطبيب، والمهندس، والموظف، وصاحب المشروع الصغير، والمتقاعد، إنها الفئة التي تدفع عجلة الاقتصاد، وتحافظ على تماسك المجتمع، وتشكل الجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل أفضل.

غير أن التحولات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة فرضت واقعًا جديدًا على معظم دول العالم، بما فيها عُمان، فقد ارتفعت تكاليف المعيشة، وزادت أسعار العديد من السلع والخدمات، وأصبحت متطلبات الحياة أكثر تعقيدًا من السابق، وفي المقابل، وجدت كثير من الأسر نفسها أمام التزامات مالية متزايدة تتعلق بالسكن والتعليم والصحة والنقل، الأمر الذي أوجد شعورًا متناميًا بالضغط على مستويات المعيشة، حتى لدى الفئات التي كانت تُصنف تقليديًا ضمن الطبقة الوسطى.

وفي سلطنة عُمان، شكلت الطبقة الوسطى لعقود طويلة إحدى أبرز ثمار التنمية الحديثة، فقد استطاعت أعداد كبيرة من المواطنين بناء حياة مستقرة قائمة على الوظيفة المنتظمة، والتعليم الجيد، والسكن الملائم، والقدرة على توفير متطلبات الأسرة والتخطيط للمستقبل، وكانت هذه الفئة على الدوام ركيزة للاستقرار الوطني، وصمام الأمان الاقتصادي والاجتماعي، ومصدرًا مهمًا للطلب المحلي الذي تعتمد عليه الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

ويبرز ملف الإسكان باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسر متوسطة الدخل، فامتلاك منزل لا يزال يمثل الحلم الأكبر لغالبية المواطنين، إلا أن ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف التمويل جعل هذا الحلم أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، كما أصبحت القروض الإسكانية والشخصية جزءًا من الواقع الاقتصادي للكثير من الأسر، ليس بدافع الترف أو الاستهلاك غير الضروري، وإنما لتلبية احتياجات أساسية تتعلق بالسكن والتعليم والعلاج وتأمين متطلبات الحياة الكريمة.

وتشير البيانات المصرفية إلى استمرار نمو الائتمان الممنوح للأفراد والقطاع الخاص، وهو مؤشر يعكس، من جهة، حيوية النشاط الاقتصادي، لكنه يسلط الضوء، من جهة أخرى، على أهمية تحقيق توازن صحي بين الاقتراض والدخل، وقدرة الطبقة الوسطى على الادخار، وتكوين الأصول، وامتلاك المسكن، وتأمين مستقبل الأبناء دون الوقوع في دائرة الاستنزاف المالي المستمر.

ومن هنا، فإن المحافظة على الطبقة الوسطى لا ينحصر في تقديم الدعم المباشر، بل يستدعي من الحكومة تبني حزم متكاملة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتعزيزها، باعتبار هذه الطبقة هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن مستهدفات النمو المالي وتنويع الاقتصاد، وتُظهر أفضل الممارسات العالمية أن الحفاظ على طبقة وسطى قوية ومستقرة لا يتحقق عبر الدعم المؤقت، بل من خلال سياسات هيكلية مستدامة تقوم على ستة مرتكزات رئيسة: (1) التعديل الهيكلي العادل للأجور بما يتناسب مع الإنتاجية وتكاليف المعيشة. (2) توسيع برامج الإسكان الميسر. (3) تطوير أدوات التمويل السكني طويلة الأجل. (4) تعزيز جودة التعليم والتأهيل المهني لرفع تنافسية القوى العاملة الوطنية. (5) تخفيف العبء الضريبي أو المالي غير المباشر على الأسر متوسطة الدخل. (6) إضافة إلى خلق بيئة اقتصادية محفزة للمشروعات الصغيرة والاستثمار الفردي وتكوين الأصول. إن اتساع هذه الطبقة، وتمكينها اقتصاديًا، هما الركيزة الأساسية لمتانة الاقتصاد الوطني ورخاء المجتمع، فهي الاستثمار الاستراتيجي الأضمن لحماية الأمن الاقتصادي والنسيج المجتمعي.

كما أن تحسين جودة الحياة أصبح جزءًا لا يتجزأ من تعزيز مكانة الطبقة الوسطى، فكل ريال يتم إنفاقه على الأسرة من خلال خدمات صحية وتعليمية عالية الجودة، أو عبر تطوير منظومة النقل العام والخدمات الرقمية الحكومية، ينعكس مباشرة على قدرتها الشرائية واستقرارها المالي، ولذلك فإن الاستثمار في الخدمات العامة لا يقل أهمية عن الاستثمار في المشاريع الاقتصادية الكبرى، لأن كليهما يلتقيان في هدف واحد هو تحسين حياة المواطن ورفاهه.

وفي خضم سعي الحكومة إلى تحقيق معدلات نمو أعلى، وتعزيز الإيرادات العامة، وتنويع مصادر الدخل، يبرز سؤال يستحق أن يكون في صدارة النقاش الاقتصادي الوطني: هل ينبغي أن يصبح حجم الطبقة الوسطى وقوتها مؤشرًا رئيسًا لقياس نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟ فالنمو الحقيقي لا يكتمل أثره ما لم ينعكس على حياة المواطنين وبناء مستقبل أكثر استقرارًا لأسرهم، وربما آن الأوان لأن تُقاس نجاحات التنمية، ليس بما تحققه الموازنات من فوائض، وما تسجله التقارير من أرقام فقط، بل أيضًا بمدى اتساع الطبقة الوسطى وتحسن جودة حياتها، فحين تكون هذه الطبقة قوية ومطمئنة اقتصاديًا، يكون المجتمع أكثر استقرارًا، والاقتصاد أكثر متانة، وعندها يمكن القول إن ثمار النمو قد وصلت إلى المواطن الذي يمثل الغاية الحقيقية لكل خطط التنمية ومرتكزاتها الأساسية.

في النهاية، تبقى قوة الطبقة الوسطى انعكاسًا مباشرًا لقوة الدولة ذاتها؛ لتحقيق النمو المتوازن، والتلاحم المؤسسي والمجتمعي، وترسيخ أسس العدالة والتنمية المستدامة، والنجاح المشترك.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z