محمد أنور البلوشي**
قبل أن أوجّه السؤال إلى الآخرين، وجدت نفسي مضطرًا لأن أوجّهه إلى ذاتي أولًا: لمن اللغة العربية؟ وهل هي حكرٌ على من وُلد بها، أم أنها رسالةٌ حضارية مفتوحة لكل من أراد أن يتذوق جمالها ويعيش في رحابها؟ وإذا كنا قد نجحنا عبر القرون في إيصال رسالة الإسلام إلى أمم وشعوب لا تتحدث العربية، فهل نجحنا بالقدر نفسه في تعليم لغة القرآن الكريم؟ ولماذا ما زال كثيرٌ من غير الناطقين بالعربية يشعرون أن تعلمها رحلةٌ شاقة، لا بسبب صعوبة اللغة وحدها، بل بسبب البيئة التي تستقبلهم؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات لغوية فحسب، بل تبحث عن إجابات حضارية وثقافية وأخلاقية أيضًا. فاللغة ليست مجرد حروفٍ وأصوات، وإنما هي هوية، وذاكرة، وطريقة في التفكير، وجسرٌ يصل الإنسان بتاريخ أمته وثقافتها ومستقبلها.
لقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2). ولم يقل: "لتتحدثوا"، بل قال: "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وكأن اللغة العربية ليست وسيلة للتخاطب فحسب، بل وسيلة للتفكر والتدبر وبناء العقل. ولهذا كانت العربية وعاءً للقرآن، وحاملةً للعلوم، ولسانًا للفلسفة والأدب والطب والرياضيات والفلك طوال قرون ازدهار الحضارة الإسلامية؟
أتذكر يومًا حديثًا دار بيني وبين أحد غير الناطقين باللغة العربية. كان الرجل يحمل شغفًا صادقًا لتعلم العربية، فالتحق بأحد المراكز التعليمية، وواظب على الدراسة أشهرًا طويلة. كنت أظن أنني سأسمع منه قصة نجاح، لكنه فاجأني عندما أخبرني بأنه ترك الدراسة.
سألته باستغراب: "لماذا؟" ابتسم ابتسامةً امتزجت بالألم والسخرية، ثم قال: "هل وجدنا منكم التشجيع؟ لقد حاولت كثيرًا أن أتحدث بالعربية، ولكن كلما أخطأت في نطق حرف، أو خلطت بين السين والصاد، أو بين الضاد والظاء، ضحك بعض من حولي. شعرت أنني موضع سخرية أكثر من كوني طالب علم، فآثرت الصمت، ثم تركت التعلم".
توقفت طويلًا أمام كلماته. لم يكن يشتكي من صعوبة قواعد النحو أو تعقيد البلاغة، بل كان يشتكي من سلوكنا نحن. فكم من موهبةٍ لغوية دفناها بالسخرية؟ وكم من راغبٍ في تعلم العربية فقد حماسه لأننا لم نحتضنه كما ينبغي؟
إن الفيلسوف الصيني كونفوشيوس يقول: "إذا أردت أن تغيّر شعبًا، فابدأ بلغته". أما الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر فقد وصف اللغة بأنها "بيت الوجود"، أي إن الإنسان يسكن العالم بلغته قبل أن يسكنه بجسده. فإذا كانت اللغة بيتًا، فهل فتحنا أبواب هذا البيت للآخرين، أم أننا جعلناه مغلقًا لا يدخله إلا من أتقن كل قواعده؟
إن المؤلم أن كثيرًا من الناس يتعلمون الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية بسرعة، بينما يترددون في تعلم العربية. فهل السبب أن العربية أصعب؟ الدراسات اللغوية الحديثة تشير إلى أن تعلم أي لغة يعتمد بدرجة كبيرة على البيئة المشجعة، والدافعية، والممارسة اليومية، أكثر مما يعتمد على درجة صعوبة اللغة نفسها. ولهذا نجد آلافًا من الأجانب يتحدثون اليابانية أو الكورية أو الصينية بطلاقة، رغم أن تلك اللغات ليست سهلة؛ لأن مجتمعاتها تشجع المتعلم ولا تسخر من أخطائه.
لقد أثبت عالم اللغويات الأمريكي ستيفن كراشن، في نظريته الشهيرة حول اكتساب اللغة، أن المتعلم يتقدم بسرعة عندما يشعر بالأمان النفسي، بينما يؤدي الخوف من السخرية أو النقد إلى ما أسماه "الحاجز العاطفي"، الذي يمنع التعلم، مهما كانت جودة المناهج التعليمية. وربما هذا ما حدث مع ذلك الرجل الذي فقد ثقته بنفسه قبل أن يفقد رغبته في تعلم العربية.
ثم إننا كثيرًا ما نتساءل: لماذا لا يتحدث الوافدون العربية؟ وربما السؤال الأصح هو: هل وفرنا لهم بيئةً تدعوهم إلى تعلمها؟ هل توجد مبادرات مجتمعية مجانية؟ هل نشجع أبناءنا على محاورة غير الناطقين بالعربية؟ هل نبتسم عندما يخطئون، أم نبتسم سخريةً منهم؟
إن الحضارات لا تنتشر بالقوة، وإنما بالجاذبية. ولم تنتشر العربية في الأندلس وآسيا وإفريقيا لأنها كانت لغةً رسمية فقط، بل لأنها كانت لغة العلم والتجارة والأخلاق والتسامح. وكان العلماء المسلمون يرحبون بكل طالب علم، مهما كان أصله أو لغته، حتى أصبحت العربية يومًا ما لغةً عالمية للمعرفة.
وفي سلطنة عُمان، التي عُرفت عبر تاريخها الطويل بأنها أرض التسامح والانفتاح والتواصل مع الشعوب، يزداد هذا السؤال أهمية. فنحن نستقبل جنسيات متعددة تعيش بيننا سنوات طويلة، وبعضهم يرغب بإخلاص في تعلم العربية، ليس فقط لتسهيل حياته اليومية، بل احترامًا للثقافة التي يعيش فيها. فهل نستثمر هذا الشغف؟ أم نتركه يذبل أمام أول تجربة سلبية؟
إن مسؤولية حماية اللغة العربية لا تقع على عاتق المدارس والجامعات وحدها، بل تبدأ من الأسرة، ومن الشارع، ومن الموظف في المؤسسة، ومن البائع في السوق، ومن كل مواطن يدرك أن كل كلمة تشجيع قد تصنع متحدثًا جديدًا بالعربية، وأن كل كلمة سخرية قد تهدم حلمًا كاملًا.
ولعلنا بحاجة إلى أن نغيّر نظرتنا إلى الخطأ اللغوي. فالخطأ ليس عيبًا، بل هو أول درجات التعلم. وكل متحدثٍ بارع بالعربية كان يومًا طفلًا يخطئ في النطق. فلماذا نغفر الخطأ لأبنائنا، ولا نغفره لمن جاء يتعلم لغتنا حبًّا واحترامًا؟
إن مستقبل اللغة العربية لن يُقاس بعدد القصائد التي نكتبها عنها، ولا بعدد الاحتفالات التي نقيمها في يومها العالمي، وإنما بعدد القلوب الجديدة التي نجعلها تحبها، وعدد الألسنة التي نشجعها على نطقها، ولو كانت بدايتها متعثرة.
ويبقى السؤال الذي أتركه للقارئ قبل أن أجيب عنه بنفسي: هل المشكلة في صعوبة اللغة العربية، أم في سهولة أحكامنا على من يحاول تعلمها؟ فإذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال بصدق، فربما نكون قد وضعنا أول حجرٍ في طريق إعادة العربية إلى مكانتها الطبيعية، ليس بوصفها لغة العرب فقط، بل بوصفها لغة حضارة، وعلم، وإنسانية، ورسالةً مفتوحة لكل من أراد أن يتعلمها بمحبة.
**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
