بين المطر والضباب.. تُولد الحكايات

 

 

 نـور الـمعـشنـي

هناك خريفٌ تراه العين… وخريفٌ آخر لا يراه إلا القلب.

ذلك الذي عرفناه في جبال ظفار لم يكن فصلًا من فصول السنة، بل عمرًا كاملًا كانت السماء تهبه لنا كل عام، ثم تمضي، وتترك في أرواحنا ما يكفي من الحنين حتى يعود.

قبل أن تتوشح الجبال بالخضرة، كانت الرائحة تسبق كل شيء. رائحة التراب حين يلامسه المطر لأول مرة، كأن الأرض كانت تتنفس بعد طول انتظار. وما إن تتسلل الغيوم بين الشعاب حتى يبدأ العالم كله في التغير؛ الأصوات تخفت، والضباب يعم، والأشجار تغتسل حتى تلمع أوراقها، والندى يتدلى من أطراف الأعشاب كحبات زجاج شفافة، ويصبح الكون أصغر… وأكثر دفئًا.

كان المطر يومها يتحدث، لم يكن مجرد قطرات تهطل، بل كان يعزف على أسقف البيوت القديمة معزوفة لا يملها القلب مهما تكررت. صوته وهو يطرق السقف في هدوء، ثم يشتد قليلًا، ثم يهدأ من جديد، كان كافيًا ليجعل الليل أكثر طمأنينة. كنا ننام على صوته، وكأن السماء تسهر حتى نغفو.

وفي زاوية البيت، كانت النار تشتعل، ولهيبها الهادئ لم يكن يدفئ الأيدي وحدها، بل كان يدفئ أيامنا. فالأسرة تلتف حولها من تلقاء نفسها؛ فالنار كانت تعرف كيف تجمعنا أكثر مما تفعل الكلمات. تتعالى الأحاديث، وتتقاطع الضحكات، ويحكي الكبار قصصًا حفظوها من آبائهم، بينما يحدق الصغار في الجمر الأحمر، يظنون أن داخله عالمًا لا يراه سواهم.

كان للدخان رائحة... لا تشبه أي رائحة في الدنيا. فالحطب المبتل، وهو يحترق ببطء، تمتزج رائحته برائحة الشاي والخبز الساخن الذي كانت الأمهات يخبزنه مع أول الصباح. كان البخار يتصاعد بهدوء وانسيابية، وكانت تلك الروائح وحدها كفيلة بأن تخبرنا أن الخريف قد سبق إلى قلوبنا قبل أن يدخل بيوتنا.

وما إن نفتح الباب، حتى نجد أن المكان قد ارتدى ثوبًا جديدًا؛ ثوبًا نسجته الغيوم، وغسلته الأمطار، وزينته الخضرة من سفحه إلى قمته. كانت الأرض تتجمل على مهل، حتى يخيل إلينا أن المطر هو الرسام الوحيد الذي يعرف كيف يرسم ظفار.

كنا، نحن الصغار، لا نرى في المطر سببًا للبقاء داخل البيوت، بل دعوةً للخروج. نمشي بين الضباب، ونلاحق جداول الماء الصغيرة، ونعود بثيابٍ مبتلة، فتستقبلنا الأمهات بابتسامةٍ تخفي عتبها. لم نكن نعد الأيام، ولم نكن ننشغل بالوقت. كان النهار يمضي على مهل، نجلس طويلًا نستمع إلى المطر، وننصت لحكايات الكبار، ونشعر أن العالم قد اختصر نفسه في بيتٍ دافئ، وصوت مطر، وعائلةٍ مجتمعة.

لم يكن أحد يحمل هاتفًا ليصور الضباب، فالضباب كان يسكن العيون قبل العدسات.

ولم يكن أحد يبحث عن مكانٍ جميل، لأن الجمال كان يحيط بنا من كل الجهات، وكان جزءًا من يومنا العادي.

واليوم... ما زال الخريف يعود كما اعتاد، وما زالت الغيوم تعانق الجبال، وما زال المطر يكتب قصائده على الأرض.

لكن البيوت لم تعد تصغي إلى صوته كما كانت.

شبة النار التي كانت تجمع العائلة، استبدلتها شاشات مضيئة، والأحاديث التي كانت تمتد حتى آخر الليل، اختصرتها رسائل قصيرة، وأصبح كثيرون يشاهدون الخريف من خلف هواتفهم، دون أن يعيشوه بقلوبهم.

ومع ذلك... يكفي أن تهطل أول قطرة على سقف بيتٍ قديم في جبال ظفار، حتى تستيقظ في الداخل طفولة كاملة.

تعود الأصوات، والروائح، والوجوه، وتلك الليالي التي كنا نظنها عادية، فإذا بها أجمل ما مر بنا في الحياة.

ولهذا… حين يسألني أحدهم عن خريف ظفار، لا أحدثه عن المطر، ولا عن الضباب، ولا عن الخضرة، أحدثه عن البيوت التي كانت تنبض بالدفء، وعن صباحاتٍ يبدأها الشاي والخبز، وجمعات الأحبة، وعن أصوات المطر التي حفظتها القلوب قبل الآذان، وعن تفاصيل صغيرة لم نكن نعلم يومًا أنها ستكبر في ذاكرتنا حتى تصبح وطنًا كاملًا.

فالخريف لا تصنعه الأمطار وحدها، بل تصنعه البيوت التي امتلأت دفئًا، والأصوات التي ما زالت تسكن الذاكرة. لذلك، كلما عاد الخريف إلى ظفار، لا أشعر أنه عاد إلى الجبال فحسب… بل عاد إليَّ شيءٌ جميلٌ يسكنني منذ الطفولة.

فبعض الحكايات تُروى مرةً واحدة... أما حكايات خريف ظفار، فتُولد بين المطر والضباب، وتبقى حيّةً في القلب ما دام نبضه حيًّا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z