الرؤية- أحمد السلماني
لن تكون مواجهة إنجلترا والأرجنتين مجرد محطة قبل نهائي كأس العالم، بل ليلة تختلط فيها الحسابات الفنية بذاكرة ممتدة لأكثر من سبعة عقود، وتتقاطع خلالها رغبة الإنجليز في إنهاء انتظار طال ستين عامًا مع طموح الأرجنتين في الاحتفاظ بالعرش العالمي وكتابة فصل أخير استثنائي في مسيرة قائدها ليونيل ميسي.
وعند الساعة الحادية عشرة مساء الأربعاء بتوقيت مسقط، تتوقف لغة الترشيحات المسبقة وتبدأ مواجهة مباشرة بين منتخب إنجليزي يملك القوة والسرعة والتنوع الهجومي، ومنتخب أرجنتيني يحمل خبرة البطل ودهاء المباريات الإقصائية، في قمة لا تمنح الخاسر فرصة للتعويض، ولا تقبل بأقل من بطاقة العبور إلى المباراة النهائية.
ويحتضن ملعب أتلانتا في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية هذه القمة العالمية، على أن يلتقي الفائز منها في نهائي الأحد المقبل بينما ينتقل الخاسر إلى مباراة تحديد المركز الثالث.
إنجلترا تبحث عن النهائي الثاني بعد ستة عقود
يدخل المنتخب الإنجليزي نصف النهائي وهو يحلم بالوصول إلى المباراة النهائية للمرة الثانية فقط في تاريخه، بعد ظهوره الوحيد الذي انتهى بالتتويج على أرضه عام 1966.
وتمثل هذه المواجهة اختبارًا حقيقيًا للمشروع الذي يقوده المدرب الألماني توماس توخيل، بعدما نجح المنتخب في تجاوز عدة محطات صعبة، وأظهر قدرة واضحة على العودة في النتائج والتعامل مع ضغط المباريات الإقصائية.
بدأت إنجلترا مشوارها في المجموعة الثانية عشرة بانتصار مثير على كرواتيا بنتيجة 4-2، في مباراة أكدت خلالها القوة الهجومية التي يمتلكها المنتخب، قبل أن تتعثر بالتعادل السلبي أمام غانا، التي نجحت في إغلاق المساحات وإيقاف مفاتيح اللعب الإنجليزية.
وفي الجولة الأخيرة، حسمت إنجلترا صدارة المجموعة بالفوز على بنما 2-0، لترفع رصيدها إلى سبع نقاط من انتصارين وتعادل، وتتقدم إلى دور الـ32 بصفتها متصدرة المجموعة.
وفي دور الـ32، واجه المنتخب الإنجليزي منافسه الكونغولي، ونجح في تجاوزه بنتيجة 2-1، قبل أن يخوض واحدة من أكثر مبارياته إثارة أمام المكسيك في ثمن النهائي، وينتزع الفوز بنتيجة 3-2 على ملعب أزتيكا.
وفي ربع النهائي، اصطدم الإنجليز بمنتخب النرويج المتوهج، وتأخروا بهدف قبل أن يعيد جود بيلينجهام منتخب بلاده إلى المباراة، ثم يسجل هدف الفوز في الوقت الإضافي، لتنتهي المواجهة بنتيجة 2-1 وتبلغ إنجلترا المربع الذهبي للمرة الثالثة في آخر أربع نسخ مونديالية.
الأرجنتين.. سجل كامل من الانتصارات
على الجانب الآخر، شق المنتخب الأرجنتيني طريقه إلى نصف النهائي بسجل كامل من الانتصارات، مؤكدًا أنه لم يأت إلى أمريكا الشمالية للاحتفال بلقب 2022، بل للدفاع عنه ومحاولة أن يصبح أول منتخب يحتفظ بالكأس منذ البرازيل عام 1962.
واستهل حامل اللقب مشواره ضمن المجموعة العاشرة بانتصار كبير على الجزائر 3-0، في مباراة فرض خلالها سيطرته الهجومية، قبل أن يهزم النمسا 2-0 بثنائية سجلها ليونيل ميسي.
وأنهى منتخب المدرب ليونيل سكالوني دور المجموعات بالفوز على الأردن 3-1، ليتصدر مجموعته بالعلامة الكاملة، جامعًا تسع نقاط من ثلاثة انتصارات، ومسجلًا ثمانية أهداف مقابل هدف واحد.
وفي دور الـ32، واجهت الأرجنتين مقاومة قوية من الرأس الأخضر، واضطرت إلى خوض الوقت الإضافي قبل أن تحسم المواجهة بنتيجة 3-2.
ثم وجدت نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة ضد المنتخب المصري في ثمن النهائي، بعدما تأخرت بهدفين حتى الدقائق الأخيرة، لكنها قلبت المباراة بصورة درامية وسجلت ثلاثة أهداف خلال 13 دقيقة لتنتصر 3-2
وفي ربع النهائي، تغلبت الأرجنتين على سويسرا 3-1 بعد التمديد، بعدما انتهى الوقت الأصلي بالتعادل 1-1، قبل أن يسجل جوليان ألفاريز هدفًا رائعًا في الشوط الإضافي الثاني، ويضيف لاوتارو مارتينيز الهدف الثالث، لتحجز الأرجنتين مكانها بين الأربعة الكبار.
الضغط والسرعة الإنجليزية
يتوقع أن يعتمد توماس توخيل على طريقة قريبة من 4-2-3-1، تتحول عند الاستحواذ إلى رسم هجومي أكثر مرونة، مع تقدم الظهيرين، وتمركز جود بيلينجهام خلف هاري كين، ومنح الجناحين حرية التحرك إلى أنصاف المساحات.
وتقوم الخطة الإنجليزية على الضغط المبكر على بناء اللعب الأرجنتيني، ومنع لياندرو باريديس وإنزو فرنانديز من إخراج الكرة بأريحية، مع محاولة استغلال التفوق البدني لهاري كين داخل منطقة الجزاء.
كما يعتمد توخيل على التحولات السريعة، خصوصًا عبر بوكايو ساكا في الجهة اليمنى، وعلى انطلاقات أنتوني جوردون أو نوني مادويكي في الطرف الآخر، مع تقدم ديكلان رايس لدعم الضغط واستعادة الكرة في نصف ملعب المنافس.
وتكمن قوة إنجلترا في تنوع أساليب الوصول إلى المرمى، سواء عبر الكرات العرضية، أو التسديد من خارج المنطقة، أو الكرات الثابتة، إضافة إلى وجود لاعبين قادرين على حسم المواجهة بصورة فردية مثل بيلينجهام وكين وساكا.
لكن المنتخب الإنجليزي عانى في بعض مبارياته من المساحات خلف الظهيرين، ومن بطء التعامل مع التحولات الهجومية المباشرة، كما ظهر دفاعه مرتبكًا أحيانًا عندما تعرض للضغط واللعب السريع في العمق.
المرونة الأرجنتينية
وفي المقابل، يدخل ليونيل سكالوني المباراة بمرونة تكتيكية كبيرة، إذ يستطيع التحول بين 4-3-1-2 و4-4-2 و4-3-3، وفق مسار المواجهة وطريقة ضغط المنتخب الإنجليزي.
ويعتمد سكالوني على بناء اللعب بهدوء من الخلف، ثم تمرير الكرة إلى وسط الملعب، قبل البحث عن ميسي بين الخطوط، حيث يملك حرية الحركة والتراجع لاستلام الكرة وصناعة اللعب، بينما يتحرك جوليان ألفاريز في المساحات خلف الدفاع.
وتتميز الأرجنتين بقدرتها على تغيير إيقاع المباراة، والانتقال من الاستحواذ الهادئ إلى الهجوم المباشر خلال ثوانٍ، إلى جانب القوة في افتكاك الكرة والضغط العكسي بوجود رودريجو دي بول وأليكسيس ماك أليستر.
كما يمتلك حامل اللقب دكة بدلاء قادرة على تغيير المباراة، يتقدمها لاوتارو مارتينيز، الذي أثبت قدرته على التسجيل في اللحظات الحاسمة، إلى جانب تياجو ألمادا ونيكولاس جونزاليس.
أما أبرز نقاط الضعف فتظهر عند تقدم الظهيرين وترك مساحات في الأطراف، إضافة إلى اعتماد جزء كبير من صناعة الفرص على عبقرية ميسي، وهو ما قد يدفع إنجلترا إلى محاصرته بعدد من اللاعبين وقطع خطوط التمرير المؤدية إليه.
نجوم الفريقين
يدخل جود بيلينجهام المباراة بوصفه أحد أبرز نجوم البطولة، بعدما سجل ستة أهداف، وهو الرصيد نفسه الذي وصل إليه هاري كين، لتصبح إنجلترا أول منتخب يملك لاعبين سجلا ستة أهداف أو أكثر في نسخة واحدة من كأس العالم.
ويشكل بيلينجهام الرابط الأساسي بين الوسط والهجوم، مستفيدًا من قدرته على الوصول المتأخر إلى منطقة الجزاء، بينما يمنح كين المنتخب حلولًا متعددة، ليس فقط في التسجيل، بل في العودة إلى الخلف وصناعة اللعب وفتح المساحات أمام القادمين من الأطراف.
كما تبرز أهمية ديكلان رايس في حماية خط الدفاع وكسب الصراعات، في حين يمثل ساكا مصدر الخطورة الأكبر في المواجهات الفردية، ويظل الحارس جوردان بيكفورد أحد عناصر الخبرة والثبات في المباريات الكبرى.
وفي الجانب الأرجنتيني، تتجه الأنظار بطبيعة الحال إلى ليونيل ميسي، الذي سجل ثمانية أهداف في البطولة، وأسهم بالتسجيل أو الصناعة في عشرة من أهداف منتخب بلاده السبعة عشر.
ويمنح جوليان ألفاريز الهجوم الأرجنتيني الحركة والسرعة والضغط على المدافعين، بينما يمثل ماك أليستر العقل الهادئ في وسط الملعب، ويتولى دي بول الأدوار القتالية والضغط المستمر، خلفهما الحارس إيميليانو مارتينيز، الذي يملك خبرة كبيرة في المباريات الإقصائية.
مارادونا و1986.. هدفان خلدا أعظم فصول المواجهة
لا يمكن الحديث عن إنجلترا والأرجنتين دون العودة إلى ربع نهائي مونديال المكسيك 1986، حين قدم دييجو أرماندو مارادونا واحدة من أشهر المباريات الفردية في تاريخ كأس العالم.
ففي الدقيقة 55، ارتقى مارادونا إلى كرة مشتركة مع الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، واستخدم يده اليسرى لإيداع الكرة داخل الشباك، في هدف احتُسب رغم وضوح المخالفة، ودخل تاريخ كرة القدم باسم «يد الله».
وبعد أربع دقائق فقط، قدم مارادونا الوجه الآخر لعبقريته، عندما تسلم الكرة داخل نصف ملعبه، وانطلق في مراوغة مذهلة، متجاوزًا خمسة لاعبين إنجليز، قبل أن يراوغ الحارس شيلتون ويضع الكرة في الشباك.
واختير ذلك الهدف لاحقًا ضمن أعظم أهداف كأس العالم، ووصفه كثيرون بأنه أفضل هدف في تاريخ كرة القدم، لما جمعه من مهارة وسرعة وتوازن وجرأة في واحدة من أكبر مباريات البطولة.
ولم يكن مونديال 1986 بطولة فاز بها المنتخب الأرجنتيني فقط، بل كان مونديال مارادونا بامتياز؛ حمل الفريق فوق كتفيه، وسجل وصنع وحسم أصعب المباريات حتى رفع الكأس في العاصمة المكسيكية.
وبعد أربعين عامًا، يتكرر السؤال بصورة مختلفة: هل يتحول مونديال 2026 إلى مونديال ميسي؟ وهل يستطيع القائد الأرجنتيني، في التاسعة والثلاثين من عمره، قيادة منتخب بلاده إلى نهائي جديد، وربما الاحتفاظ باللقب، في مشهد يوازي ما فعله مارادونا في المكسيك؟
لقد سجل ميسي ثمانية أهداف حتى الآن، وأصبح محور كل تفاصيل المنتخب الأرجنتيني، لكن اجتياز إنجلترا سيكون الاختبار الأكبر في رحلته نحو صناعة خاتمة لا تتكرر كثيرًا في تاريخ اللعبة.
تاريخ حافل بالجدل والثأر
التقى المنتخبان خمس مرات في نهائيات كأس العالم، حققت إنجلترا الفوز في ثلاث منها، مقابل انتصار أرجنتيني واحد، فيما انتهت مواجهة بالتعادل قبل أن تحسمها الأرجنتين بركلات الترجيح.
فازت إنجلترا 3-1 في دور المجموعات بمونديال 1962، ثم تغلبت على الأرجنتين 1-0 في ربع نهائي نسخة 1966 في طريقها إلى التتويج باللقب.
وردت الأرجنتين بالفوز 2-1 في ربع نهائي 1986 بهدفي مارادونا، قبل أن تحسم مواجهة دور الـ16 في مونديال 1998 بركلات الترجيح بعد التعادل 2-2، في المباراة التي شهدت طرد ديفيد بيكهام.
وفي مونديال 2002، ثأر بيكهام لنفسه وقاد إنجلترا إلى الفوز 1-0 من ركلة جزاء، في آخر لقاء مونديالي جمع المنتخبين.
وعلى مستوى جميع المواجهات، التقى المنتخبان 14 مرة، فازت إنجلترا في ست مباريات، مقابل ثلاثة انتصارات للأرجنتين، وانتهت خمس مواجهات بالتعادل، مع احتساب مباراة 1998 تعادلًا في السجلات الرسمية قبل ركلات الترجيح.
وكان آخر لقاء بينهما وديًا في جنيف عام 2005، وانتهى بفوز إنجلترا 3-2، بعدما سجل مايكل أوين هدفين متأخرين.
جدل تحكيمي يلاحق الأرجنتين
تدخل الأرجنتين المباراة وسط استمرار النقاش حول عدد من القرارات التحكيمية التي رافقت مشوارها في البطولة، خاصة خلال مواجهتي مصر وسويسرا.
وازداد الجدل بعد طرد السويسري بريل إمبولو في ربع النهائي، إلى جانب اعتراضات سابقة على بعض تدخلات تقنية الفيديو، ما يضع طاقم التحكيم أمام مسؤولية كبيرة في مباراة مرشحة لأن تشهد صراعات بدنية واحتكاكات قوية وضغطًا جماهيريًا وإعلاميًا هائلًا.
الأرجنتين تتفوق في سجل الألقاب
تدخل الأرجنتين المباراة وهي تحمل سجلًا تاريخيًا كبيرًا، بعدما توجت بكأس العالم ثلاث مرات أعوام 1978 و1986 و2022، وحلت وصيفة في نسخ 1930 و1990 و2014.
وعلى المستوى القاري، أحرزت الأرجنتين لقب كوبا أمريكا 16 مرة، آخرها عام 2024، كما توجت بكأس الأبطال بين قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية عام 2022.
أما إنجلترا، فتملك لقبًا عالميًا وحيدًا أحرزته على أرضها عام 1966، ولم تنجح منذ ذلك الحين في بلوغ النهائي، رغم وصولها إلى نصف النهائي أعوام 1990 و2018 و2026.
وعلى المستوى القاري، لم يسبق لإنجلترا التتويج ببطولة أمم أوروبا، واكتفت بالوصافة في نسختي 2020 و2024، ولذلك يبقى كأس العالم البطولة الكبرى الوحيدة في خزائن المنتخب الإنجليزي.
مواجهة متكافئة حتى أدق التفاصيل
وتعكس الأرقام حالة التقارب الشديد بين المنتخبين؛ فالأرجنتين سجلت 17 هدفًا في البطولة، وهو أعلى رصيد بين المنتخبات المتأهلة إلى نصف النهائي، بينما تملك إنجلترا ثنائيًا سجل 12 هدفًا يتمثل في كين وبيلينجهام.
وتمنح نماذج التوقع الإحصائية إنجلترا أفضلية محدودة للغاية، إذ قدرت فرص تأهلها بنحو 52.9 في المائة، ما يؤكد أن المباراة أقرب إلى مواجهة متوازنة قد تحسمها لحظة عبقرية، أو خطأ دفاعي، أو كرة ثابتة، وربما تمتد إلى الوقت الإضافي وركلات الترجيح.
وبين رغبة إنجلترا في الثأر من ذاكرة مارادونا، وسعي الأرجنتين إلى مواصلة رحلة الدفاع عن اللقب، تبدو أتلانتا مهيأة لاستقبال واحدة من أعظم مباريات مونديال 2026.
