أحرف.. تأتيني بك

 

 

سام بنت محمد

 

كم تمنيتُ أن أخطَّ حرفًا، حرفًا واحدًا فقط، يأتيني بك، وأن تجد نفسك بين تلك الكلمات، وتقرأ ما بين السطور، وتهرع إليَّ لتخبرني أنني هي التي تتوق لوصولها إليك، وأن تتفاجأ، رغم علمك، بأن هناك أنثى تنتظرك، وترغب في دنياك، وأن تبدأ بكتابة العهود والمواثيق بأفعالك، وتخبرها بأنك جئتَ، وتعلنها للملأ: هذا أنا، من تحضَّرتُ لك، مثلما كنتِ تحلمين به، وكيفما كنتِ تتحضَّرين له.

كم توقفتُ عند ذاك الحرف الذي يسبقني إليك، ويعطيك إشارة تؤمن بأنها رؤية تتحقق، وأنك أنت المقصود بها، وأن عليك أن تسرع الخطى، وتجهز أوراق حياتك، وترتبها؛ لتناسب استقبالك لي.

تلك الأحرف التي جعلتْ منك رجلي، ورجلي الوحيد، الذي يحترم ذاته بقدر احترامه للمشاعر التي تنطق بها هذه الأحرف، وتتكئ عليها؛ لتربط على أنفاسك المتسارعة التي تطالبك بالمشي السريع، بل أن تجري، حتى تسبقني في مضمار السكينة والاستقرار.

الحروف التي جعلتْ مني أنثى تهدأ عندما تخبرك بأن قلمها وما يخطه لك وحدك، وكيف هي الحياة معك، وكيف تكون من دونك، وكيف أكون وأنا أتوازن بك بين حضورك المفاجئ وانشغالك الدائم.

تلك الكلمات التي تتشكل مني في حروف تتراقص أمام عينيَّ عندما يمر على ناظري مشهد حب يليق بنا العيش فيه، أو أقرأ أبيات قصيدة تسرد الحب في حروف تفتخر بكاتبها، حبٌّ يزرع السرور والسكينة، رغم علمنا بأن تلك الحروف ما ظهرت للعيان إلا بعدما مر عليها وجعٌ أخرج منها تلك الأيقونة الشعرية التي ينسبها كل محب إلى نفسه، فقط لأنها تحمل ذات الوجد بداخله.

أتصارع مع الحروف دائمًا، والأفكار تعصف بذهني برياح هادرة، فقط لأسرد ما يليق بك وأنت معي، وأجاهد النفس التي تتوق إلى فعلٍ يترجم حرفًا كتبته لك بدم أنفاسي، وإلى ولهٍ يرتطم بجدران أمواج لا تعلو إلا بعلو وجودك.

حروف تشكّل عبارات، تدخل عليها إنّ وأخواتها؛ لتؤكد نصب مبتدئها في قلبي: أنك باقٍ، تتخلل مسام جلدي، وترفع كل أخبارها؛ لتثبيتك بين أضلعي، وترسمك على أكمل وجه: شغف دائم، وسرور دافئ، وطمأنينة مستمرة.

حرف له خطوات دافئة، متزنة، ممتلئة بشغف هادئ، ساكن، متقد، ووجه آخر لذات الحرف يكتظ بشتات، واضطراب، وخوف من حروف تُبعد كل ما آمنتْ به نفسي معك. ظننتُ بأنه سبب التحامي بك، وأجزم بأنها ما سببتْ لك تلك اللخبطة بين عنوان بيتك ومحل إقامتي.

هذه ذات الحروف التي أغرد بها في وسائل التواصل الاجتماعي، وأنتظر من فكرك أن يطرق مفاتيح البحث، وبدون أن يدرك، يصل إلى صفحة تنادي به منذ أعوام ليست بالقليلة، وكلمات ليست بالهينة على قلبي.

نعم، حروف كنتُ أتفنن في إخراجها من قلبي قبل عقلي؛ لتكون لك بوصلة ترسم لك طريق الوصول إلى كتاب أيامي، وتجعلك نهمًا في قراءة كل ما يثير لديك فضول معرفة من هي تلك المرأة خلف كل هذه الكلمات.

كلمات تناديك بعلو حركاتها، والصوت الذي يرن في قوة كل حرف منها، بالإدغام، والإخفاء، والقلقلة التي تؤكد أحرفًا تنتهي بالسكون أحيانًا، وتنوينٌ يؤكد عمق ما هو محمول بين ثناياها. أبعث من خلالها وجدًا لا مثيل له، نعم، لا مثيل له، مكتنزًا بكل حروف اللغة حتى تجد طريقها إليك.

حروف تصنع دنيا مكتظة بأنفاس تختزن بين هوائها واقعًا جميلًا قريبًا إلى القلب، وحلمًا جميلًا قريبًا إلى القلب. كل ما فيك قريب إلى القلب، وكل الحروف التي تنطق بك قريبة إلى القلب.

كل تلك الحروف التي تبدي رقة مطلبي، ودفء وجداني، وتخبرك بأنني أستحق التفاتة رأسك، والعودة قليلًا إلى الخلف؛ لتعطي انتباهك لما فاتك من حضور، يشرح لك في اختصار شديد: أنا هنا، لك، ومن أجلك.

كل ما أملكه وأمتلكه لك حتى اليوم كلمات، أربعة وعشرون حرفًا، لا أملُّ من تكرار كتابتها، وتبديل حرفٍ مكان حرف آخر، ووضع الضمة، والشدة، والفتحة على أولها وأوسطها وآخرها، وحتى الكسرة التي توجعني أخطها في آخر الحرف، عسى أن تأتيني بعبارات ممتلئة بك، بأحرف تأتيني بك.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z