عندما يرتقي الجهل إلى التقديس!

 

 

د. محمود البلوشي

الجهل آفة الشعوب، وقد ذكر في مفهوم الجهل العديد من التعريفات، وتناولته العديد من المجلدات والدراسات والنصوص الدينية والأدبية، ويمكن أن نحصر مفهوم الجهل، بعد القراءة والاطلاع، على أنه اعتقاد المرء الشيء على خلاف ما هو عليه، والجهل نقيض العلم، وهو عدم حضور صورة الشيء في الذهن، ومن الطبيعي أنه لا يحضر في أذهاننا شيء ما لم يتصل به علمنا حسًا وعقلًا.

وقد خلق الله الإنسان أصله جاهلًا ومحتاجًا إلى العلم، فالإنسان يولد بلا علم، ولا تجربة، ولا عقيدة، ولكنه مزود بعقل وحواس، وقد أمر الله تعالى بطلب العلم في مواضع كثيرة، أعظمها قوله تعالى: (وقل رب زدني علمًا)، وقوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، وقد ميَّز الله تعالى بين العالم والجاهل في قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، إذًا تكمن المشكلة في الإنسان نفسه، وفي سعيه وجديته في البحث عن العلم والمعرفة والتعليم والتعلم، وقد سخرت في الوقت الراهن كافة الإمكانيات التي تتيح البيئة المناسبة للفرد للحصول على قدر عال من التعليم، خاصة وأننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، عصر المعلومات والتكنولوجيا والإنترنت والذكاء الاصطناعي، وسهولة الحصول على العلم والمعرفة في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، حيث أسهمت التكنولوجيا في تطوير التعليم وتحسينه، فهي تسهل نقل المعرفة، وتوفر مصادر تعليمية متنوعة المواد والعلوم، وتمكن الفرد من سهولة تصفح الكتب والمراجع والوسائط المتعددة، لكن يبقى الإنسان عدو نفسه.

في التسعينيات كان الأميّ من لا يقرأ ولا يكتب، وهم كثر إلى اليوم!!! ولكن الأمية الآن هي أمية الحاسب الآلي، وأمية التعايش مع الذكاء الاصطناعي، وقد قسم الجهل إلى قسمين: أولهما الجهل البسيط، وثانيهما الجهل المركب، وهو الجهل المقدس الذي أشير إليه في مقالي. فالجهل البسيط هو عدم معرفة الإنسان بالشيء مع إدراكه لنقصه واعترافه بأنه لا يعلم، وصاحب الجهل البسيط يعذر لعدم بلوغ العلم إليه أو لعدم قدرته على معرفته، أما صاحب الجهل المركب، والذي يقدس الجهل، فيعتقد نفسه أنه عالم، بينما هو يجهل الحقيقة، والجهل له آثار كبيرة تضر بمصلحة العلم والمعرفة، وتؤثر سلبًا على الفرد والجماعة، لذلك حذرت نصوص الكتاب والسنة من هذه الآثار، ودعت إلى درئها في مناسبات عدة، وخاطبت الإنسان الذي أودع الله فيه القوة الإدراكية والمهارات الذاتية المختلفة أن ينأى بنفسه عن الجهل الذي يفسد اعتقاده وتصوره، فامتدح القرآن الكريم العلم والعلماء، وذم الجهل وأهله، وفاضل بينهما.

ويعيش الفرد الذي يقدس الجهل على مجموعة من المعتقدات العامية التي تمثل أفكارًا متوارثة بلا أساس علمي أو ديني صحيح، ويلجأ الإنسان الجاهل المقدس للجهل لتفسير المجهول، أو لتبرير الصدف، أو نتيجة نقص المعرفة، وهذه المعتقدات تنتشر بسبب الموروثات الثقافية التراكمية، ومنها (الحسد والعين، حيث يعتقد الجاهل ويبرر بأن كل فشل أو مرض يصيب الإنسان سببه العين والحسد)، والمشكلة المجتمعية الحاصلة في المجتمعات العربية هي أن الجاهل لديه القدرة على التأثير، وعلى إقناع شريحة كبيرة وحشود هائلة من البشر بأن معتقداته سليمة، ويصدقه من هم من فئته، أما العاقل والمتعلم والفطين فلا يستطيع إقناع نصف الفئة التي أقنعها الجاهل، وهذا هو السبب الرئيسي في تخلف المجتمعات العربية، ويعيش صاحب الجهل المقدس على مبدأ الغرور المعرفي، وهو ظن الجاهل بأنه عالم، ويرفض الاستماع إلى النصيحة بسبب الكبرياء، مما يجعله يتمسك بجهله أكثر من المتعلم، والفرد الجاهل يقدس الأشخاص، ويقدس كلام المرشد الذي يعتبره حقيقة مطلقة دون إعمال العقل أو التفكير الناقد، وصاحب الجهل المقدس يرفض الحقائق العلمية، وينكر الحقائق الثابتة، ويعتبرها مؤامرة أو خدعة، كونها لا توافق أهواءه الشخصية، وللأسف الشديد أن أغلب المجتمعات العربية إلى اليوم تنتهج التبعية العمياء والخضوع المطلق، وهذا هو الجهل المقدس بأم عينه!!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z