الدبلوماسيّة الرياضيّة.. مونديال 2026 منصّة لتعزيز العلاقات الدوليّة؟

 

 

د. علي موسى الكناني

شهدت الدبلوماسية خلال العقود الأخيرة تحوّلات كبيرة في أدواتها وآلياتها، فلم تعد تقتصر على المفاوضات الرسمية، أو القنوات السياسية التقليدية، بل اتجهت إلى توظيف مجالات متعددة للتأثير في العلاقات الدولية، ومن أبرزها الرياضة. فقد أصبحت البطولات الرياضية الكبرى منصات للحوار، وبناء الثقة، وتعزيز التعاون، ووسيلة تلتقي فيها المصالح السياسية مع الأبعاد الاقتصادية والثقافية، فيما بات يُعرف بالدبلوماسية الرياضية.

ويقصد بالدبلوماسية الرياضية استخدام الأنشطة والفعاليات الرياضية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، سواء من خلال بناء قنوات اتصال بين الدول، أو تخفيف حدة التوترات، أو تعزيز التعاون، أو تحسين العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف. ومع اتساع التأثير الجماهيري للرياضة، أصبحت هذه الأداة تحظى باهتمام متزايد من الحكومات والمنظمات الدولية، بوصفها وسيلة قادرة على الوصول إلى الشعوب قبل المؤسسات الرسمية.

ويؤكد التاريخ أن الرياضة لعبت أدوارًا دبلوماسية مهمة في محطات مفصلية. فقد شكلت "دبلوماسية البينغ بونغ" عام 1971 نقطة تحول في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، عندما فتحت مباريات تنس الطاولة الباب أمام حوار سياسي أنهى سنوات من القطيعة، ومهد لزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين، وهي زيارة أعادت رسم ملامح العلاقات بين القوتين.

وفي مثال آخر، أسهمت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية عام 2018 في خلق أجواء أكثر هدوءًا بين الكوريتين، عندما شارك رياضيون من البلدين تحت علم موحد في بعض المنافسات، وشكلوا فريقًا مشتركًا في لعبة هوكي الجليد للسيدات، في خطوة حملت رسائل سياسية وإنسانية، وأظهرت قدرة الرياضة على فتح نوافذ للحوار، رغم استمرار الخلافات السياسية.

كما استخدمت جنوب إفريقيا الرياضة، بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، وسيلة لتعزيز المصالحة الوطنية، وإعادة دمج البلاد في المجتمع الدولي، فيما وظّفت بريطانيا دورة الألعاب الأولمبية في لندن عام 2012 لإبراز صورتها كدولة تجمع بين الإرث التاريخي والحداثة والتنوع الثقافي. أما قطر، فقد قدمت في كأس العالم 2022 نموذجًا عربيًا للدبلوماسية الرياضية، عندما حولت البطولة إلى مساحة للتقارب الثقافي، واستقبال شعوب العالم في بيئة عكست الهوية العربية والإسلامية، وأسهمت في تعزيز الحوار بين الثقافات.

وفي هذا السياق، يمثّل مونديال 2026 مرحلة جديدة في تطور الدبلوماسية الرياضية. فالبطولة، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بصورة مشتركة، لا تعكس فقط تطورًا في أسلوب تنظيم الأحداث الرياضية، بل تقدم نموذجًا للتعاون الإقليمي بين ثلاث دول ترتبط بمصالح اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة. ويبرز هذا التنظيم المشترك قدرة الرياضة على تجاوز الحدود الجغرافية والإدارية، وتحويل حدث رياضي عالمي إلى منصة لتعزيز التنسيق والتكامل.

ولا يقتصر دور مونديال 2026 على المنافسات الرياضية، بل يمتد إلى كونه فرصة لعقد لقاءات سياسية ودبلوماسية على هامش البطولة، كما يحدث في كثير من الأحداث الرياضية الكبرى، حيث يجتمع رؤساء الدول، ووزراء الخارجية، والمسؤولون، في أجواء أقل رسمية، تسمح بتبادل وجهات النظر، وبحث ملفات التعاون، بعيدًا عن التعقيدات التي ترافق الاجتماعات السياسية التقليدية.

ومن المتوقع أيضًا أن تسهم البطولة في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول المشاركة والوفود الزائرة، من خلال تنشيط السياحة، وتوسيع فرص الاستثمار، وإقامة شراكات في مجالات النقل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، فضلًا عن التعاون في إدارة الحشود، والأمن، والخدمات اللوجستية. وبهذا المعنى، تتحول البطولة إلى منصة دبلوماسية واقتصادية متكاملة، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

كما أن الدبلوماسية الرياضية في مونديال 2026 لا تقتصر على الحكومات، بل تشمل الاتحادات الرياضية، والأندية، والشركات الراعية، ووسائل الإعلام، والجماهير، فجميعها تؤدي دورًا في بناء جسور التواصل بين الشعوب. وتتيح البطولة لملايين المشجعين فرصة التعرف إلى ثقافات مختلفة، وإقامة علاقات إنسانية تتجاوز الانتماءات السياسية، وهو ما يعزز مفهوم الدبلوماسية الشعبية، بوصفها مكملًا للدبلوماسية الرسمية.

وفي المقابل، تواجه الدبلوماسية الرياضية تحديات لا يمكن تجاهلها. فالأحداث الرياضية الكبرى قد تتأثر بالتوترات السياسية، أو الخلافات الدبلوماسية، أو الإجراءات الأمنية، أو القيود المتعلقة بالتنقل والتأشيرات، وهو ما يفرض على الدول المنظمة إدارة دقيقة لهذه الملفات، لضمان بقاء الرياضة مساحة للحوار، لا ساحة لتصدير الخلافات.

ومن المتوقع أن يشكل مونديال 2026 محطة مهمة لتطوير مفهوم الدبلوماسية الرياضية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتزايد الحاجة إلى أدوات قادرة على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر في عالم يتسم بتعدد الأزمات وتشابك المصالح. فالرياضة، بما تمتلكه من قدرة على جمع الشعوب، تظل واحدة من أكثر الوسائل فاعلية في خلق بيئة مواتية للحوار والتعاون.

إن التجارب الدولية، من دبلوماسية البينغ بونغ إلى أولمبياد الكوريتين، ومن مونديال قطر إلى مونديال 2026، تؤكد أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة على الألقاب، بل أصبحت مسارًا موازيًا للعمل الدبلوماسي، يسهم في بناء العلاقات، وتخفيف التوترات، وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي. ولذلك، فإن نجاح أي بطولة عالمية لا يقاس فقط بما تحققه داخل الملاعب، وإنما أيضًا بما تتركه من أثر في تعزيز الحوار بين الدول والشعوب، وترسيخ ثقافة التواصل والتفاهم في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.

الأكثر قراءة

z