المضيق الذي صنعته الحرب

 

 

خالد بن سالم الغساني

لم تبدأ المواجهة الراهنة عند مضيق هرمز، ولم يكن هرمز سوى نتيجة متأخرة لمسار صعب وطويل من التصعيد والتضحيات، كما أنها لن تنتهي عنده. فالمضيق ليس أصل المشكلة، إنه أحد أخطر المآلات التي أفرزتها الحرب التي بدأت عندما اختار دونالد ترامب، وبدعم وتحفيز كبيرين من نتنياهو وحكومته، التعامل مع الملف الإيراني بمنطق القوة العسكرية والضغط الأقصى، تحت عنوان إزالة ما اعتبروه تهديدًا نوويًا إيرانيًا، ودفع النظام الإيراني إلى التراجع أو حتى السقوط.

ومهما اختلفت التقييمات بشأن البرنامج النووي الإيراني أو سياسات طهران الإقليمية، التي ليس هي موضوع حديثنا هنا، فإن ما لا يمكن تجاهله هو أن اللجوء إلى القوة العسكرية باعتبارها الوسيلة الأولى لحل الأزمات لم يؤدِّ إلى إنهاء مصادر التوتر، فقد دفع الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وأشد خطورة، وهو لن يؤدِّي إلا إلى مزيد من الحروب والصراعات التي لا يمكن أن تحل العقدة المفترضة.

والحروب لا تلغي المشكلات بقدر ما تنقلها من ساحة إلى أخرى، ومن شكل إلى أشكال أخرى، وتدفع بالتالي الأطراف إلى البحث عن أوراق جديدة للتوازن والردع. وهذا ما حدث بالفعل.

فإذا كان الهدف المعلن في البداية هو إنهاء ما وُصف بالتهديد النووي، فإن النتيجة العملية تمثلت في انتقال المواجهة إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.

لقد أدركت إيران، في ظل العدوان والتصعيد العسكري والضغوط المتواصلة، أن لديها ورقة استراتيجية قادرة على فرض نفسها على معادلات الصراع، وهي ورقة المضيق. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخلاف يدور حول أجهزة الطرد المركزي أو مستويات تخصيب اليورانيوم، فقد أصبح يتعلق بمن يملك حق فرض قواعد المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهنا يكمن التحول الأخطر.

فالولايات المتحدة نصَّبت نفسها متحدثًا باسم المجتمع الدولي، من دون تفويض من أحد، وتتصرف باعتبارها صاحبة الحق في تحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وهي تؤكد أن حرية الملاحة مبدأ دولي لا يجوز إخضاعه لإرادة أي دولة، بينما ترى إيران أن أمن المضيق يرتبط بأمنها القومي، وأن تجاهل مصالحها الاستراتيجية يجعلها غير ملزمة بالقبول بمرور طبيعي للسفن في ظل استمرار الضغوط والتهديدات.

وبغض النظر عن الموقف القانوني أو السياسي لكل طرف، فإن النتيجة واحدة، وهي انتقال العالم من أزمة نووية إلى أزمة ممرات بحرية هي الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة.

منطق القوة لا يصنع السلام، وإنما يدفع الخصوم إلى تطوير أدوات جديدة للمواجهة. فكل ضربة عسكرية تفتح أبوابًا جديدة لرد جديد، وكل محاولة لإخضاع طرف بالقوة تدفعه إلى البحث عن وسائل مختلفة لاستعادة التوازن، حتى لو كانت تلك الوسائل أكثر كلفة على الجميع.

ومن هنا تبدو المنطقة وكأنها تعود إلى مرحلة كان كثيرون يعتقدون أنها أصبحت جزءًا من الماضي؛ مرحلة الاستنزاف المتبادل، حيث لا يحقق أي طرف انتصارًا حاسمًا، بينما تتسع دائرة المخاطر لتشمل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.

ولعل أخطر ما في المشهد الراهن أن التصعيد لم يعد يقتصر على المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بل أصبح يحمل أبعادًا إقليمية ودولية أوسع، مع استمرار الضربات المتبادلة، واستهداف القواعد العسكرية، وحشد القوات، وارتفاع احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة أشمل، حتى وإن كانت المؤشرات لا توحي بأن أيًّا من الأطراف يرغب في حرب شاملة.

قد تستمر المرحلة المقبلة في إطار ما يمكن وصفه بـ"حافة الحرب"، حيث تتكرر الضربات المحدودة، وتتواصل الرسائل العسكرية، ويستمر الضغط السياسي والاقتصادي، دون أن ينجح أي طرف في فرض معادلة نهائية على الآخر. غير أن استمرار هذا المسار يحمل خطرًا أكبر من الحرب نفسها، لأنه يكرس منطق إدارة الأزمات بالقوة، ويجعل المنطقة تعيش في حالة دائمة من التوتر والاستنزاف.

الأمن لا يُبنى بإخضاع الدول ولا بفرض الإرادات بالقوة العسكرية، وإنما بإقامة منظومة إقليمية تقوم على الحوار والاعتراف بالمصالح المتبادلة واحترام القانون الدولي. فحين تصبح القوة هي اللغة الوحيدة في العلاقات الدولية، يتحول الردع إلى سباق لا ينتهي، وتصبح كل أزمة مقدمة لأزمة أكبر منها.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في المشهد كله؛ إذ إن السياسات التي رُوِّج لها باعتبارها وسيلة لإنهاء التهديد الإيراني، قد تكون أسهمت في دفع الصراع إلى مستوى أكثر خطورة، انتقل فيه مركز التوتر من الملف النووي إلى أمن الملاحة الدولية، ومن الخلاف حول برنامج نووي إلى صراع على موازين القوة في الخليج بأسره.

السؤال الآن: إلى أي مدى يستطيع العالم الاستمرار في إدارة أزمات بهذه الحساسية عبر لغة القوة وحدها؟

الأكثر قراءة

z