أسماء عوض باقوير
الأمومة ليست مجرد علاقة تجمع أمًّا بأبنائها، بل هي رحلة عمرٍ مليئة بالعطاء والتضحية، تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتمنحه قوةً لم يكن يعلم أنه يمتلكها. فحين يصبح الأبناء محور الحياة، تتغيّر الأولويات، ويغدو رضاهم وسعادتهم أغلى من كل شيء.
لأجل أولادي تغلّبتُ على كل الصعاب، وسرتُ في دروبٍ لم تكن سهلة، وعشتُ سنواتٍ من التحديات، لكنني لم أفقد الأمل يومًا. من أجلهم نسيتُ الخوف، وتجاوزتُ القلق، وتعلّمتُ الشجاعة، والقوة، والصبر، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتي؛ لأنهم أغلى ما أملك، وهم نبض قلبي وروح حياتي.
علّمتني الحياة أن الأم لا تُقاس بقوة جسدها، بل بقوة قلبها. فهي قد تُخفي دموعها لتزرع الطمأنينة في نفوس أبنائها، وتبتسم رغم تعبها حتى لا يشعروا بثقل ما تحمله من هموم. وربما تمرّ بظروف لا يعلم بها أحد، لكنها تمضي بثبات؛ لأن حبها لأبنائها يمنحها القدرة على مواصلة الطريق.
الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل تمتلئ بالعقبات والابتلاءات. ومن أجل الأبناء نقع ثم ننهض، ونتعب ثم نواصل، ونؤجل أحلامنا أحيانًا لنصنع لهم مستقبلًا أجمل. فالأم لا تنتظر مقابلًا لتضحياتها، بل ترى في نجاح أبنائها، واستقامتهم، وسعادتهم أعظم مكافأة يمكن أن تنالها.
لقد تحوّلت هشاشتي إلى قوة، وضعفي إلى عزيمة، وكان الله سبحانه وتعالى سرَّ ثباتي، وسندي الذي لا يخيب، وحصني الذي احتميت به كلما اشتدت الأيام. فكلما ضاقت بي الدنيا، وجدت في التوكل على الله سكينةً تُعيد إلى قلبي الطمأنينة، وتمنحني القدرة على الاستمرار.
أولادي هم وطني، وأرضي التي أغرس فيها القيم، وأزرع فيها الأمل، وأرويها من عمري، وصبري، ودعائي. ولأجلهم طويتُ جراحًا كثيرة، وتجاوزتُ آلامًا لم يعلم بها إلا الله؛ لأن حبهم يسكن أعماقي، ولأن سعادتهم كانت، وما زالت، أعظم انتصار في حياتي.
وفي نهاية المطاف، إذا سألني أحد يومًا: ما وطنك؟ فسأجيب بكل يقين: أولادي هم وطني؛ ففيهم أرى مستقبلي، ومن أجلهم تهون المشقة، ويتحول التعب إلى قوة، وتصبح كل تضحية وسامًا أعتز به. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بتربية أجيالٍ صالحة تُحب الخير، وتتمسك بالقيم، وتغرس في الأرض أثرًا طيبًا يبقى بعد رحيلنا. وما دام في هذا الوطن أمهاتٌ يُربين أبناءهن على الأخلاق، والإيمان، والانتماء، فسيظل الوطن قويًا بأبنائه، شامخًا بقيمه، مزهرًا بشعبه.
الأم التي تُحسن صناعة الإنسان، تُسهم في صناعة وطنٍ لا تهزّه الأيام.
