د. عبدالله بن سليمان المفرجي
في زمن تتسارع فيه الثورات الصناعية التكنولوجية المتقدمة كالسوابق، وتندفع التقنيات المتطورة المبتكرة كالسيول الجارفة العارمة، وتتقافز الأجيال من ثورتها الرابعة إلى خامسها قفزَ النمور المفترسة الضارية، في حين يظل التدريب العملي الميداني في مرآة الشكلية وانعكاساتها الموجعة المؤلمة، في زمن ينبثق فيه الذكاء الاصطناعي كنور لا يخفى، وينفتح الميتافيرس كفضاء لا حدود له، ويشتد الأمن السيبراني كحائط منيع يحفظ المكتسبات، ويحفظ المنجزات من التشتت والبعثرة، ويتشعب القانون ليحيط إحاطة السوار بالمعصم كل جزئية من هذا العالم المتداخل المترامي الأطراف، نقف حائرين أمام مشهد من التناقض الصارخ، إذ نجد التدريب العملي في بعض المؤسسات التعلمية ما زال يتخبط في غياهب الشكلية، كالغريق بين أمواج الإدارة، يعيش حياة لا تشبهه، ويمارس أدوارًا لا تعبر عنه، كالجسد بلا روح، والظل بلا شخص، والحرف بلا معنى، والعيش بلا مأوى.
إنه لمن المآسي المكتوبة بحبر الإهمال والضياع أن يُكلَّف المهندس في ساعات التدريب العملي المعتمدة من مؤسسته الجامعية في بيئة العمل الوظيفية بترتيب الملفات، والمبرمج بإصلاح الآلات الكاتبة، وطالب البرمجة والشبكات بجرد المخازن، والمتخصص في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بكتابة الخطابات والرد على المراسلات، وطالب الشريعة والدراسات الإسلامية يبعث به إلى ديوان الخدمة المدنية ليصنف الملفات ويسجل المعاملات، بدلًا من أن يقعد في حلقات الفتوى، أو يجلس في مجالس القضاء، أو يغوص في بطون الكتب الفقهية والمخطوطات التراثية محققًا ناقدًا، أو يشارك في هيئات الرقابة الشرعية في المؤسسات المالية والإفتاء الرقمي، وأروقة المصارف الإسلامية، وبذلك تضيع الهويات، وتنحل الرؤى، ويخرج الشاب المتعلم كمن حمل سيفًا بلا حد، وراح إلى معركة الحياة معرًّى أعزل من سلاح التطبيق الميداني العملي، وأداة الخبرة، وكمن يحاول السباحة في الصحراء المترامية الأطراف، أو الزراعة في البحر، أو البناء على الرمال الوَعْث.
وهذه الصورة المشوهة ليست قدرًا محتومًا ولا حتمًا مقضيًا، بل هي داء يُداوى، وعلة تُشفى، إذا ما توفرت الإرادة الحكيمة، وتمازجت بالرؤى المبتكرة، والحلول الخلاقة التي تحمل التدريب من أفق الشكلية إلى جوهر المضمون، إذ لا يليق بعصر تتقاذفه رياح التغيير والتنويع، وتتلاطم أمواجه بالابتكار والإبداع والتطوير، أن يظل تدريب شبابنا أسيرًا للأفكار البالية الهالكة، والنماذج الجامدة التي هرمت وتقادمت، كالسفينة العتيقة البالية في زمن الغواصات المتطورة، وكالقوس القديم المتهالك، في زمن الصواريخ الصامتة والتي تتوارى عن أعين البشر أو المنظار البصري المتطور، وكالقنديل الزيتي في زمن المصابيح الكهربائية الذكية المتطورة.
وإن هذه المعضلة لا تقف عند حافة الإهدار التعليمي، بل تمتد إلى النفس فتحفر فيها شروخًا نفسية عميقة لا تلتئم بأقوى المسكنات السريعة المجربة، إذ يصاب الطالب بالإحباط والغربة واليأس والعزلة، ويشعر بالدونية وهو يقارن نفسه بأقرانه من ذات التخصص في أحضان هذا العالم المترامي الأطراف الفسيح، كالزهرة المنسية في أصص منزوٍ لا تُسقى، فتذبل وهي ترى الزهرات الأخرى تتفتح في حدائق الغير، كأكاليل الربيع، وتلك الشروخ التي لا تلتئم بسهولة، بل تظل ندوبًا في الذاكرة، تذكره بأنه كان طاقة مهدرة وكائنًا لا قيمة فيه، ولا جدوى، وموهبة معطلة، وطاقة مبددة، وفرصة أضاعتها الأنظمة البالية، والإجراءات الجامدة التي لا ترحم ولا ترفق، ولا تبالي بآلام النفوس، ولا تهتم بجراح القلوب، فكيف يتوقع من شاب قضى سنوات في دراسة الهندسة أن يتقبل فكرة ترتيب الملفات كتدريب عملي؟ وكيف يرضى طالب الشريعة أن يقضي أيامه في تسجيل المعاملات بدلًا من دراسة النوازل الفقهية وتحقيق المخطوطات؟ إنه كمن يغذي الجسد بالسم، ويسقي الزرع بالملح، ويطلب من النار أن تبرد، ومن الماء أن يحترق.
وإلى ذلك ينضم البعد التقني الأكثر إيلامًا، ففي عصر الجيل الخامس (5G) الذي ينقل البيانات بسرعة البرق، وزمن استجابة لا يُذكر، وفي زمن الذكاء الاصطناعي الذي يحلل البيانات كالعقل الإنساني، والميتافيرس الذي يحاكي الواقع كالظل للشخص، ما زال التدريب يدور في فلك الأدوات البالية، كأن العالم لم يخطُ خطوة، وهذا فراغ تقني ينعكس على الاقتصاد خسائر طائلة، فتنفق الأمة مالًا في التعليم، ثم ترمي ثماره في مهاوي الشكلية، فيضاع الكفاء، وتنزف الفرص، ويصير الخريج عبئًا لا قوة، ومكلفة لا منتجًا، كالبئر التي تنضب مياهها، وكالغصن الذي ييبس عوده، وكالجمر الذي يخبو لهيبه.
وليس الأمر مقصورًا على الإهمال، بل هو تفريط تربوي يتجلى في فصل النظرية عن التطبيق الميداني العملي، وإعدام الجسر بين الفصل والمعمل، وتضييع مبادئ التربية المهنية التي تفترض في الشاب شخصية متكاملة، لا أداة قابلة للرص في أرشيف جامد، وفي هذا السياق تتجلى خيبة الأمل الإداري الذي ينظر إلى التدريب كإجراء شكلي، لا كرافدة حيوية، وكجزئية روتينية، لا كاستثمار استراتيجي، فلا بد من وقفة تأمل، ونظرة إنصاف، وعزيمة إصلاح، تعيد للتدريب مكانته، وتسترد له قيمته، وتجعل منه جسرًا إلى المستقبل، لا ماضيًا إلى الهاوية.
أليس من العبث أن يتدرب المعلم في غير فصوله الدراسية؟ والطبيب في غير عيادته ومستشفياته؟ والمهندس في غير حلقته الهندسية الدقيقة ومواقعه الإنشائية؟ والمبرمج والمتخصص في الشبكات والذكاء الاصطناعي والميتافيرس والأمن السيبراني في غير مختبرات التقنية ومراكز البيانات؟ والقانوني في غير المحاكم ومكاتب المحاماة؟ والتربوي في غير المدارس ومراكز التوجيه؟ والمستشار النفسي والاجتماعي في غير المراكز الإرشادية والعيادات النفسية؟ وطالب الشريعة والدراسات الإسلامية في غير حلقات الفتوى ومجالس القضاء ودور الإفتاء وهيئات الرقابة الشرعية والمجمعات الفقهية ومراكز البحوث الإسلامية والمحاكم الشرعية وأقسام التوعية الإسلامية، وفي المستشفيات والسجون والمدارس الدينية ووزارة الأوقاف ومكاتب المحاماة الشرعية ومراكز التحكيم الإسلامي ووسائل الإعلام الدينية ودور النشر المتخصصة في المخطوطات والتراث الإسلامي؟ ودور استثمار الوقف وتنميته، والمصارف الإسلامية، إنها صورة من التناقض البين، والخلل القاتل، الذي يفتت الطاقات، ويهدر الإمكانات، ويجعل من التدريب عبئًا ثقيلًا، بدلًا من أن يكون رافدًا عظيمًا، وأداة تمكين، وسلاح بناء.
وهكذا، تكون الحلقة الأولى قد استوفت الحديث عن مرآة الشكلية وانعكاساتها الموجعة على الفرد والمجتمع والأمة، وآن لنا في الحلقة الثانية أن نستعرض تجارب الأمم الراسخة في إصلاح التدريب العملي، لنقف على ما حققته من نجاحات باهرة، ونستلهم منها الدروس والعبر، ونبني على أنقاض الفشل صروح النجاح، وفي ضوء تلك التجارب نضع أيدينا على مفاتيح التغيير الحقيقي.
