د. عبدالله بن سليمان المفرجي
وإذا كانت الحلقة الأولى قد استعرضت لنا مرآة الشكلية للتدريب العملي الميداني بانعكاساتها الموجعة المؤلمة، ووقفت بنا على سفح الجبل العالي الأشم، ترصد لنا معالم الداء، وتتبصر بآلام النفوس وندوب الإهمال، فإن هذه الحلقة الثالثة تأتي لتمضي بنا في معمعة الإصلاح والبناء وإعادة الإعمار، لتبني معنا الرؤى المستقبلية المتكاملة، بعد أن أيقنا أن التدريب العملي الجوهري ليس حلمًا بعيد المنال، ولا أمنية تتردد في فضاءات الخيال والوهم، بل هو خيار استراتيجي فعال، وقرار سياسي صائب، وإرادة جماعية سديدة ملهمة، تتكاتف فيها الجهود والرؤى النبيلة، وتتظافر فيها الهمم والسواعد الفتية، لتنتج لنا جيلاً من الشباب يحملون في عقولهم العلم والمعرفة، وفي أيديهم المهارة والخبرة العملية، وفي قلوبهم الإخلاص والإتقان، وفي أرواحهم الطموح والتجديد، كالشموس الساطعة التي لا تغيب، وكالنجوم الثاقبة التي لا تخبو ولا تتراجع قهريًا إلى الوراء.
لقد آن الأوان لننتقل من مقام النقد إلى مقام البناء والتحفيز والتغيير الحكيم المتقن، ومن ساحة التنظير إلى ميدان التطبيق العملي، فلا يكفي أن نبكي على إهدار الطاقات، ونرثي لضياع المواهب والقدرات، دون أن نمد أيدينا إلى مفاتيح التغيير والتطوير، ونطرق أبواب الإصلاح، مستلهمين من تجارب الأمم الراسخة ما يضيء لنا الطريق، ومستعينين بما تتيحه تقنيات العصر من إمكانيات هائلة، كالذكاء الاصطناعي والميتافيرس وتقنيات الجيل الخامس (5G)، وتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والمحاكاة الذكية، لتكون أدواتنا في بناء صرح تدريبي شامخ، يليق بمكانة الأمة ويحقق طموحات شبابها الواعد، ويكون منارًا يهتدي به السائرون، ومثالًا يحتذى به العاملون الأشاوس.
وفي هذا المقام، وفي ضوء المعايير الدولية لقيادة التغير والتطور، وفي ظل ما يفرضه الواقع من ضرورة ملحة لتجويد ممارساتنا التدريبية الميدانية، وتحت ما تمليه علينا رؤية "عُمان 2040" من أهداف طموحة لتطوير القدرات البشرية ورفع جودة التعليم والتعلم، نقدم رؤانا المتكاملة الملهمة، التي صممت لتكون قابلة للتطبيق العملي، قادرة على إحداث التحول المنشود في الأيام القادمة، لننطلق في رحلة الإصلاح من خلال محاور أساسية تشكل العمود الفقري لهذا التحول.
أولًا: في الإطار التشريعي والمؤسسي الحاكم، يستحسن إصدار قانون وطني ملزم ينظم التدريب العملي ويرفعه إلى مصاف الأولويات القومية، ويعاقب على التسهيلات الشكلية الوهمية، ويكافئ على تقديم البرامج الجوهرية، مع إقامة مجلس أعلى للتدريب الجوهري يعنى بتصميم معايير عصرية، ومتابعة تنفيذها، وحوكمة إجراءاتها، وربط التمويل بجودة المخرجات التعليمية لا بكمية المتدربين، ويوائم هذا القانون مع المعايير الدولية، كمعيار ISO 29997:2025 الصادر حديثًا، الذي يقدم إرشادات لإدارة التدريب العملي وضمان جودته بما يتوافق مع مخرجات التعلم المدرسي والعالي، ويهدف إلى تسهيل الانتقال من التعليم إلى سوق العمل من خلال توفير برامج تدريبية عالية الجودة، كما يستلهم من تجربة غرف التجارة الألمانية التي تقدم المشورة لشركات التدريب، وتفتش منشآتها، وتنظم الامتحانات، وتشارك النقابات العمالية وجمعيات أصحاب العمل في وضع معايير التدريب، فيكون القانون بمثابة الهيكل العظمي الذي تقوم عليه كل الجهود، والسقف الذي يحمي وينظم كل الممارسات، والبوصلة التي توجه كل السياسات، فلا يبقى تدريب شكلي دون رادع، ولا برنامج جوهري دون مكافأة، وتكون المؤسسات محاسبة على مخرجاتها، لا على عدد ساعاتها المجردة، وهذا ما يضمن أن يكون التدريب رحلة نحو الإتقان، لا سرابًا في صحراء البيروقراطية.
ثانيًا: في البنية الرقمية والمنصات الذكية، حبذا إطلاق منصة رقمية وطنية تعمل بتقنيات الجيل الخامس (5G) والذكاء الاصطناعي، لربط الطلاب بفرص حقيقية في زمن حقيقي، وتتابع أداءهم بتغذية راجعة مباشرة وفورية، وتصحح مسارهم المهني التعليمي، وتكون هذه المنصة بمثابة السوق الإلكتروني للتدريب، يلتقي فيه العرض والطلب، وتتناسب فيه المهارات مع الاحتياجات، وتتوافق فيه الرغبات مع الفرص، وهذا ما نجحت فيه سنغافورة عبر مبادراتها الرقمية التي ربطت التدريب بالاقتصاد، وماليزيا عبر منصاتها التي تربط طلاب الشريعة بفرص التدريب في المؤسسات الإسلامية، فتكون المنصة كالجسر الممدود بين الطالب والمؤسسة، وكالنافذة المشرعة على آفاق التخصص، وكالمرآة الصافية التي تعكس قدرات الطالب واحتياجات السوق في آن واحد، فلا يضيع الطالب في دهاليز البحث عن فرصة، ولا تبقى المؤسسة حائرة في انتقاء الموهوبين، بل يلتقي الجميع في فضاء رقمي شفاف، يختصر المسافات ويزيل الحواجز، ويجعل من التدريب عملية ديناميكية متجددة، تواكب متغيرات العصر وتستبق احتياجات المستقبل.
ثالثًا: في البعد المكاني والوصول الشامل، يجب توسيع مبادرات التدريب المتنقل بقوافل تجوب المناطق البعيدة عن العاصمة مسقط، مزودة بشبكات الجيل الخامس (5G) وأجهزة الواقع المعزز، للقضاء على فجوة المكان، كما يلزم كل جامعة بإنشاء معمل افتراضي في الميتافيرس، يحاكي بيئة العمل الحقيقية في أقل المدد، ويخضع لإشراف أكاديمي ومهني مشترك، ليكون هذا المعمل بمثابة الجسر الذي يصل بين النظرية والتطبيق، وبين الفصل والمعمل، وبين الحلم والواقع، وهذا ما دعت إليه اليونسكو في تقاريرها عن التعليم والتدريب التقني والمهني، حيث أكدت على ضرورة تحديث الأنظمة لمواكبة عالم العمل سريع التغير، واعتماد تقنيات الواقع الافتراضي لدعم التدريب الغامر، ويمكن استلهام تجربة ماليزيا في إنشاء معامل افتراضية لطلاب الشريعة تحاكي جلسات المحاكم الشرعية وهيئات الرقابة، وتدريب طلاب الشريعة على الرقابة الشرعية، إضافة إلى إشراكهم في مشاريع بحثية مع جامعات عالمية في الدراسات الإسلامية، مما جعل خريجيها مؤهلين للعمل في الأسواق المالية الإسلامية عالميًا، وتجربة إسبانيا في رقمنة المخطوطات التراثية، فتكون هذه المعامل كالمختبرات العلمية الدقيقة، وكالورش الحرفية المتقنة، وكالمدارس التطبيقية المتخصصة، فلا يبقى طالب في قرية نائية محرومًا من فرص التدريب، ولا تبقى جامعة عاجزة عن توفير بيئة محاكاة حقيقية، بل يمتد نور الإتقان إلى كل ربوع الوطن، ويصل التدريب الجوهري إلى كل بيت ومعهد، فتتساوى الفرص، وتتكافأ الإمكانات، ويتحقق العدل في التوزيع المعرفي والمهني، كالغيث العميم الذي لا يفرق بين أرض وأرض.
رابعًا: في نظام المشاريع المستقلة والحوافز، يجب إقرار نظام المشاريع المستقلة كبديل رئيس عن الساعات التدريسية العديمة الجدوى، مع توفير حوافز ضريبية للشركات المشاركة في تبني مشاريع طلابية، ليكون هذا النظام حافزًا للإبداع، ومشجعًا على الابتكار، ومكسبًا للجميع، فالطالب ينجز مشروعًا يحمل اسمه، والشركة تحصل على حل لمشكلتها، والأمة تكتسب خريجًا متمكنًا، وهذا النموذج نجح في فنلندا، حيث ربطوا الأجر بتقدم المستوى الدراسي، فزادت كفاءة المتدربين وتحققت الاستفادة للجميع، ويمكن لطلاب الشريعة أن يقدموا مشاريع في مجالات الفتوى الرقمية، وتحقيق المخطوطات، وتطوير التطبيقات الشرعية، وتطوير دور الوقف، فتكون هذه المشاريع كالبصمات الفريدة التي لا تتشابه، وكاللوحات الفنية التي تخلد صاحبها، وكالإنجازات الشخصية التي ترفع قدره، فلا يظل الطالب أسيرًا للساعات المجردة التي لا تترك أثرًا، بل يصير صانعًا لمشروع يخلد اسمه، ويسهم في حل مشكلة وطنية، ويضيف قيمة حقيقية لاقتصاد بلاده، وهذا ما يجعل التدريب رحلة إنتاج لا استهلاك، وعطاء لا أخذ، وإتقان لا تسويف.
وهكذا، تكون هذه المحاور الأربعة قد أرست دعائم الإصلاح المؤسسي والتقني والمكاني والإنتاجي، وآن لنا في الحلقة الثالثة والأخيرة أن نكمل بناء الرؤى التربوية والتكوينية، ونرسي دعائم الشراكات الدولية، ونؤكد على التخصص والملاءمة المهنية، لنصل في النهاية إلى خاتمة جامعة مانعة تلخص المسير، وتحفز على العمل، وتضيء دروب المستقبل.
