علي بن حمدان بن محمد البلوشي**
يعد التكاتف المجتمعي من أهم القيم الإنسانية التي تسهم في بناء مجتمع متماسك يسوده التعاون والمحبة والتراحم. فالمجتمعات لا تنهض بجهود الأفراد وحدهم، وإنما بتعاونهم وتضامنهم في مواجهة المشكلات وتلبية احتياجات المحتاجين، مما يعزز الاستقرار ويحقق التنمية المستدامة.
ويقصد بالتكاتف المجتمعي تعاون أفراد المجتمع ومؤسساته فيما بينهم، وتقديم الدعم والمساعدة لبعضهم البعض ماديًا أو معنويًا، بهدف تحقيق الخير العام والمحافظة على تماسك المجتمع. ويقوم هذا التكاتف على قيم الإخاء والرحمة والمسؤولية المشتركة، بحيث يشعر كل فرد بأنه مسؤول عن خدمة مجتمعه والمساهمة في تقدمه.
وتتمثل أهداف التكاتف المجتمعي في تعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع، ونشر المحبة والألفة، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وتقليل الفوارق الاجتماعية، وترسيخ مبدأ المسؤولية الاجتماعية، إضافة إلى مواجهة الأزمات والكوارث بروح الفريق الواحد. أما أهميته فتظهر في تحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي، وتقوية العلاقات الإنسانية، والحد من الفقر والبطالة، وتنمية روح الانتماء للوطن، وإيجاد مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات المختلفة.
وقد أولى الدين الإسلامي التكاتف والتعاون أهمية كبيرة، وحث المسلمين على مد يد العون للمحتاجين، والتعاون على البر والتقوى. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة: 2. كما قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ومن صور التكاتف في الإسلام إخراج الزكاة والصدقات، وكفالة الأيتام، وإغاثة المنكوبين، ومساعدة المرضى، والمشاركة في الأعمال التطوعية، وزيارة المحتاجين وتقديم العون لهم.
ومن أسباب التكاتف المجتمعي انتشار القيم الدينية والأخلاقية، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، ووجود مؤسسات خيرية فاعلة، والتوعية بأهمية العمل التطوعي. أما آلية تنظيمه فتكون من خلال سنِّ القوانين التي تنظم العمل الخيري، وإنشاء الجمعيات والمؤسسات الإنسانية، والتنسيق بين الجهات الحكومية والأهلية، وتشجيع المبادرات الشبابية، واستخدام المنصات الإلكترونية الموثوقة لإيصال المساعدات إلى مستحقيها بشفافية وعدالة.
ورغم أهمية هذا التوجه النبيل، إلا أنه يواجه عددًا من التحديات، من أبرزها ضعف الوعي المجتمعي، وقلة المشاركة في العمل التطوعي، وسوء استغلال بعض التبرعات، وانتشار الفردية، وضعف الثقة ببعض الجهات الخيرية. ويمكن الحد من هذه التحديات من خلال نشر ثقافة التطوع في المدارس والجامعات، وتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة التبرعات، ودعم المؤسسات الخيرية الموثوقة، وتكريم المتطوعين، وتفعيل دور وسائل الإعلام في نشر ثقافة التعاون والتكافل.
ومن القضايا المهمة المرتبطة بالتكاتف المجتمعي التباهي بالتبرعات أمام الناس. فالأصل في الصدقة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الرياء قد يُنقص أجر العمل، ويحوِّل العمل الخيري إلى وسيلة للشهرة وحب الظهور، كما قد يجرح مشاعر المحتاجين وينتقص من كرامتهم. ومع ذلك، فإن إعلان التبرع قد يكون محمودًا إذا كان الهدف منه تشجيع الآخرين على المساهمة، وتحفيز المجتمع على البذل دون رياء أو مَنٍّ على المحتاجين.
كما تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في هذا المجال؛ فلها جوانب إيجابية تتمثل في نشر المبادرات الإنسانية، وتسريع جمع التبرعات للحالات الطارئة، وتعريف الناس بالمشروعات الخيرية، وتشجيع روح التطوع. وفي المقابل، قد يكون لها دور سلبي عندما تتحول إلى منصة للمبالغة في مدح المتبرعين، أو استغلال المحتاجين للتصوير من أجل الشهرة، أو عندما يتم الترويج لتبرعات غير موثوقة، مما يضعف ثقة المجتمع في العمل الخيري.
وفي الختام، فإن التكاتف المجتمعي أساس قوة الأمم وتقدمها، وهو قيمة إنسانية عظيمة أكدها الإسلام ورسخها في نفوس المسلمين. ولذلك يجب على الجميع، أفرادًا ومؤسسات، أن يسهموا في نشر ثقافة التعاون والتراحم، وأن يكون العمل الخيري خالصًا لله تعالى، بعيدًا عن الرياء والتفاخر، حتى يسود الخير والمحبة، ويعم الأمن والاستقرار في المجتمع.
