الدولار لم يشترِ القدس.. بل فضح حلف تلِّ أبيب*!

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

ليست الصدمة أن تُؤجَّر قطعة أرض بدولار واحد، فالسياسة عرفت صفقات رمزية كثيرة. لكن الصدمة أن يصبح الدولار شاهدًا على زمن تُهان فيه القدس، بينما تقف أُمّة كاملة صامتة، كأن الأمر لا يعنيها، تتفرّج على تاريخها وهو يُسرق أمام أعينها.

لم يكن الدولار ثمن الأرض، فأرض القدس لا تُشترى أصلًا، ولا تُقاس قيمتها بثمن. وإنما كان شاهدًا على ثمن مرحلة كاملة من انحدار النظامين العربي والإسلامي، حتى غدت القدس وحيدة في مواجهة الاحتلال الغاشم. فالقدس لم تُبَع اليوم، وإنما تُرِكت وحيدة عقودًا طويلة، حتى صار الاحتلال يحتفل ويتبادل الهدايا، بينما لا يُسمع من كثير من العواصم العربية والإسلامية إلا بيانات باردة أو صمت أثقل من الهزيمة.

ولعل أكثر المشاهد استفزازًا للوجدان أن يقف السفير الأمريكي إلى جوار الوزير الصهيوني رافعًا ورقة الدولار الواحد بكل ابتذال وصفاقة، معلنًا استئجار الأرض التي أُقيمت عليها السفارة الأمريكية في القدس. لم يكن ذلك احتفالًا بصفقة عقارية، بل استعراضًا سياسيًا مقصودًا أراد به المحتل أن يعلن للعالم أن القدس أصبحت ساحةً تُستباح في ظل عجزٍ عربي وإسلامي غير مسبوق.

والكارثة ليست في الدولار، بل في الطريق الذي أوصل إليه. فقد بدأ المشهد حين صار التطبيع يُقدَّم بوصفه إنجازًا سياسيًا، وأصبحت المصافحة تُسوَّق كأنها بطولة دبلوماسية. ومع الوقت، تراجعت القضية الفلسطينية من موقعها كقضية أُمّة، لتُختزل في بندٍ مؤجل، ثم تتحول إلى عبء ثقيل يُراد التخلص منه.

توالت المؤتمرات، وتكاثرت البيانات، وتكررت القمم بصور جماعية وابتسامات جاهزة. وقيل إن طريق السلام يمر عبر التطبيع وفتح الأبواب، وإن ذلك كفيل بحماية الحقوق ووقف الاستيطان. لكن الوقائع جاءت على عكس ذلك؛ فلا الحقوق حُفظت، ولا الاستيطان توقّف، بل اتسعت رقعة المصادرة، واستمر نزف الأرض والإنسان بصمت متصاعد.

ومع تراكم هذا المسار، لم تتوقف مستوطنة عن التمدد، ولا بيت عن الهدم، ولا طفل عن القتل. بل ازداد الاحتلال يقينًا بأن الزمن يعمل لصالحه، وأن ما يُلقى من بيانات لا يغيّر شيئًا في الواقع، ولا يحدّ من اندفاعه. وهنا تتضح الصورة الجارحة: الدبلوماسية ليست خنوعًا في أصلها، لكنها حين تُجرَّد من القوة وتُدار بلا إرادة، تتحول إلى غطاءٍ للهزيمة، ويُبقي الواقع على حاله، ويمنح الاحتلال مساحةً أوسع للاستمرار.

ولعل أكثر مفارقات هذا الزمان أن بعض من يتصدرون مشهد الوصاية على المقدسات يرفعون شعارات الحماية والرعاية، بينما تُترك القدس لمصيرها.

فالمقدسات لا تحفظها الألقاب، ولا تصونها البيانات، بل تصونها المواقف حين تُختبر.

وحتى حين نهضت أصوات من داخل هذه الأُمّة لتقول إن للحق ثمنًا، وإن الصمت لم يعد مقبولًا، كانت المفارقة أن قوى أخرى اختارت أن توفر غطاءً لحماية الاحتلال، وتمنح له مساحة أوسع للتحرك تحت مظلة سياسية أو أمنية.

وما أخطر أن تتحول الأُمم إلى متواطئة على تاريخها وهو يُسرق أمامها. فالمقدسات لا تُسلَب في غفلة من أهلها فقط، بل حين يتخلى أصحابها عن مسؤوليتهم. والأوطان لا تضيع حين يشتد العدو، بل حين يضعف أهلها عن حمل الأمانة.

وعندها فقط يُدرك المرء أن التاريخ لا يرحم. سيكتب أن أجيالًا قدمت الدم، وأجيالًا أخرى اكتفت بالمشاهدة. وسيكتب أن أطفالًا ماتوا جوعًا تحت الحصار، بينما كانت بعض الموائد عامرة بالمجاملات. وسيكتب أن القدس لم تسقط لأنها ضعيفة، بل لأن من حولها كانوا أضعف من أن يحملوا أمانتها.

إذن.. فما الذي تفرضه المرحلة اليوم؟

ليس المطلوب مزيدًا من الاجتماعات التي لا تنتج إلا بيانات، ولا مؤتمرات تُستهلك فيها القضية في خطابات متكررة. وإنما المطلوب إرادة سياسية تُترجم إلى فعل وموقف يُعيد الاعتبار للقضية قبل أن تُطوى بالكامل في أرشيف النسيان.

أما الدولار، فلم يكن سوى شاهد صغير على سقوط كبير؛ ورقة لا تساوي شيئًا في ميزان التاريخ، لكنها كشفت حجم الفراغ الذي تُركت فيه القدس.

وفي الختام..

كنت أريد أن أنادي: يا أُمّة الإسلام..

لكن أي أُمّة أُنادي؟!

أأُنادي أُمّة تفرقت راياتها، واختلفت أولوياتها، حتى تواطأ كثير منها على سقوط أولى القبلتين وثالث الحرمين؟!

أأُنادي أُمّة صار أعداؤها يرفعون دولارًا واحدًا أمام العالم، وكأنهم يختصرون به تاريخ قضية بأكملها؟

لا.. لم يكن الدولار ثمن الأرض، ففلسطين أغلى من أن تُقاس بالأوراق النقدية، لكنه كان شاهدًا على ثمن الكرامة حين تُترك وحدها بلا سند، وتُواجه مصيرها في عزلةٍ ثقيلة.

فالقدس لا تنتظر من يبكي عليها، بل تنتظر من يأتي ليحمل عنها عبء التحرير. وسيأتي يوم يسقط فيه الدولار، وتتهاوى عروش حلف تلِّ أبيب، ويبقى سؤال التاريخ معلقًا:

*أين كنتم.. يوم رُفع الدولار في وجه القدس وسقطت أقنعة كثير ممن ادعوا حراستها.

 

الأكثر قراءة

z